Skip to content

التراث الارثوذكسي
معهد القديس يوحنا الدمشقي - البلمند
حركة الشبيبة الأرثوذكسية
انت فيالرئيسية arrow البدع والهرطقات arrow دراسات في كتاب " برنابا "
دراسات في كتاب " برنابا "

إعداد رامي حداد

من كتاب حول الإنجيل و " إنجيل برنابا " للأب الياس زحلاوي

 

 

الفصل الأول
تاريخ ظهور " إنجيل برنابا" 


لقد راجت في القرون المسيحية الأولى أطلق عليها اسم "الأناجيل" وقد أقرت الكنيسة جمعاء أربعة فقط الإنجيل بحسب متى ، الإنجيل بحسب مرقس ، الإنجيل لوقا ، الإنجيل بحسب يوحنا .وإن المخطوطات القائمة إلى اليوم ثابتة تشهد لهم ولكن لا ذكر على الإطلاق لإنجيل "بحسب برنابا".  

وبعد ظهور الإسلام جرت بين المسيحيين والمسلمين لقاءات شملت مختلف نواحي الحياة العسكرية والاجتماعية والفكرية والعلمية والدينية وقد بلغت هذه اللقاءات الذروة تعايشاً اجتماعياً وإنتاجا حضارياً إبان الخلافة الأموية وكانت عاصمتها دمشق.


وكان من الطبيعي ،بل من المحتوم أن تنشب أيضاً المحاورات الفكرية والدينية بسبب ما بين الديانتين من اختلاف وقد عم الجدل الديني الشرق والغرب ...........ومع كل ذلك فما من أحد من كلا الطرفين أتى على ذكر ما يسمى بـ"إنجيل برنابا" ، لا قديماً ولا حديثاً لا تلميحاً ولا تصريحاً ، لا إثباتاً ولا نفياً.


حتى كانت سنة 1908.......!!
في هذه السنة ظهر كتاب يحمل عنوان "إنجيل برنابا" يقول في مقدمته مترجمه الدكتور خليل سعادة ، إنه نقله عن الإنكليزية إلى العربية بإيعاز من محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار المصرية .وقد أعيد طبع الترجمة العربية سنة 1954 و 1958 في القاهرة ،لكثرة ما تلقفته الأيدي بسبب ما أثير حوله من ضجة وتساؤلات .فما هي قصة الترجمة الإنكليزية؟ وما هو الأصل؟


إن جميع التحريات العلمية تشير بوضوح إلى أن العالم لم يعرف هذا الكتاب قبل سنة 1709 حيث اكتشف مخطوط إيطالي يحمل هذا العنوان:


*الإنجيل الصحيح ليسوع المدعو المسيح ، نبي جديد مرسل من الله إلى العالم حسب وصف برنابا تلميذه*
جاء في مقدمة الدكتور سعادة أن الذي عثر على المخطوط الإيطالي مرة هو الكونت "جرامير" (J.E.Grammer) أحد مستشار ملك بروسيا وكان مقيماً آنذاك في مدينة أمستردام بهولندا ، ولا يعرف إلى اليوم كيف وأين عثر عليه ، ومن ثم أقرضه جرامير سنة 1709 لأحد أصدقائه جون تولاند (John toland) وبعد ذلك بأربع سنوات أهداه للأمير "أوجين ده سافوا" الذي "كان لكثرة حروبه ومعاركه ووفرة مشاغله السياسية ، شديد الولع بالعلوم والآثار التاريخية" .


وفي سنة 1738 انتقل المخطوط مع مكتبة الأمير " ده سافوا" إلى البلاط الملكي في فيينا حيث لا يزال إلى اليوم .وقد ظل طي الكتمان في بلاط فيينا ، حتى ظهرت له في أوكسفورد أول ترجمة إنكليزية سنة 1907 ، وسرعان ما نقلت الترجمة الإنكليزية بدورها إلى العربية في السنة التالية في القاهرة.  



الفصل الثاني
مضمونه وأقسامه  


إن في بعض الظواهر لكثافة ، قد تطغى دون استجلاء الحقيقة : وهذا ما حدث بالنسبة إلى "إنجيل برنابا" بحيث خيل إلى بعضهم إنه على توافق كامل مع القرآن وأن كلاً منهما يدعم الآخر.
لذا نرى من الضروري اختراق اختراق هذه الكثافة ضاربين في صلب الحقيقة ، معرضين عن هوامش الأمور لنصل إلى الموضوع الرئيسي الذي يسعى المؤلف إلى طرحه وشرحه ودعمه .
وأنه يتلخص كله بالنقاط الخمسة التالية :


1. أن القول بأن يسوع الناصري هو ابن الله كفر.
2. وأن القول بأن يسوع الناصري هو المسيح كفر.
3. فيسوع ليس إلا نبياً.
4. ارسل ليمهد لظهور المسيح الحقيقي .
5. الذي هو محمد.


هذا التأكيد يأتي مطلقاً خالياً من أي تلطيف أو تردد.
وهو غالباً ما يرد على لسان يسوع بالذات في مناسبات كثيرة تلميحاً وتصريحاً سواء أمام التلاميذ أو أمام الرؤساء وجماهير الشعب أو أمام هيئة المحكمة اليهودية العليا .
وتلك هي القضية المطروحة في "إنجيل برنابا" وما من قضية رئيسية فيه غيرها.


ولقد اتبع الكاتب اسلوباً يجعله يكيف سيرة يسوع الناصري المعروفة بحيث تأتي منسجمة مع القضية انسجاماً تاماً كاملاً حتى لو كانت تتعارض تعارضاً جذرياً مع التاريخ اليهودي والتاريخ الروماني والتاريخ المسيحي .فما الذي فعله؟


اختلق أولاً شخصية جديدة ليسوع اختلاقاً كلياً جاء منسجماً مع بعض ما جاء في القرآن حول مولد يسوع وسيرته وتعليمه وخصوصاً حول آخرته....
واختلق ثانياً شاهداً لسيرة يسوع اختلاقاً كلياً أسماه "برنابا" وبوأه المرتبة الأولى بين الرسل وحمله هو وحده مسؤولية كتابة سيرة يسوع وتعاليمه.
ومن ثم كتب إنجيلاً جديداً ليسوع جديد بشهادة شاهد جديد .
وقد قسم كتابه إلى 222 فصلاً تحتل الفصول 91-98 مكان القلب منه ومهد له بمقدمة تتفق في موضوعها الرئيسي مع الخاتمة وقد جاء فيها قوله:


"برنابا ،رسول يسوع الناصري المسمى المسيح ، يتمنى لجميع سكان الأرض سلاماً وعزاء أيها الأعزاء إن الله العظيم والعجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بواسطة نبيه يسوع المسيح ،برحمة عظيمة ، للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى مبشرين بتعليم شديد الكفر وداعين المسيح ابن الله ورافضين الختان الذي أمر به الله دائماً مجوزين كل لحم نجس ، الذين ضل في عدادهم أيضاً بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى ، وهو السبب الذي لأجله اسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع ، وعليه فاحذروا ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله .وعليه فاحذروا كل أحد يبشركم بتعليم جديد مضاد لما أكتبه لتخلصوا خلاصاً أبدياً ولكن الله العظيم معكم ، وليحرسكم من الشيطان ومن كل شر. آمين " .


أما سيرة يسوع فقد قسمها إلى قسمين يشمل الأول منها عشرة فصول تروي بتفصيل وإسهاب مولد يسوع وحداثته ، فيما يشمل الثاني حياة يسوع العلنية منذ أخذ يبشر يوم رفع إلى السماء وقد وزع فصول القسم الثاني على الشكل التالي :


1.يسوع بدأ الكرازة ويجترح المعجزات (فصول 10-46).
2. جنود روما يعبدون يسوع إلهاً فتنشب في ذاته أزمة نفسية خانقة ، يتبرأ على أثرها من اعتبار الناس إياه إلهاً أولاً ، ومسيحاً ثانياً ، ويتنبئ بمجيء المسيح المنتظر : محمد (فصول 47-98) .
3. يسوع يعود إلى التبشير فيشغف به الشعب ويقرر تنصيبه ملكاً ، فيهرب يسوع إلى دمشق ومنها ينطلق إلى صور (فصول 99-126) .
4. يواصل يسوع تثقيف تلاميذه ويعلمهم جميع ما يختص بالتوبة والصوم والصلاة ولافضائل ويحملهم رسالته إلى الناس (فصول 127-153) .
5. يسوع يلتقي جنود روما في الهيكل ويعلمهم ما يختص بالخطيئة والحرية والشر والقضاء والقدر (فصول 153-191) .
6. يسرد "برنابا" أيام يسوع الأخيرة على الأرض و"موته" وارتفاعه إلى السماء(فصول192-222) .
هذا هو مضمون "إنجيل برنابا" ولا التباس فيه .فما قيمته؟


لن نحتكم في تقيمنا "إنجيل برنابا" إلا إلى المحكمتين اللتين أراد الإدلاء بشهادته أمامهما : محكمة القرآن ومحكمة التاريخ .فقد أراد أداء الشهادة أمام القرآن ليدعم بها القرآن وينقض المسيحية ، وأراد أداء الشهادة أمام التاريخ لينقذ البشرية من أسطورة روجها دعي ذكي اسمه بولس .فما حكم القرآن والتاريخ فيه ؟
أما الخاتمة فقد جاء فيها قوله :


" والتفت يسوع إلى الذي يكتب وقال :
يا برنابا عليك أن تكتب إنجيلي حتماً وما حدث في شأني مدة وجودي في العالم واكتب أيضاً ما حل بيهوذا ليزول انخداع المؤمنين ويصدق كل أحد الحق
".


"........ وبعد أن انطلق يسوع تفرقت التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة أما الحق المكروه من الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائماً فإن فريقاً من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ بشروا بأن يسوع مات ولم يقم وآخرون بشروا بأنه مات بالحقيقة ثم قام وآخرون بشروا ولا يزالون بأن يسوع ابن الله وقد خدع في أعدادهم بولس . أما نحن فإنما نبشر بما كتب الذين يخافون الله ليخلصوا في اليوم الأخير لدينونة الله . آمين ."  



الفصل الثالث
إنجيل برنابا أمام محكمة القرآن
 


إننا إذ نؤكد تصميمنا على الاحتكام إلى القرآن نرفض الأخذ بغير حكم القرآن في ما ورد في "إنجيل برنابا" مما يعتبره جوهري الصلة بالقرآن ، وإن ادعائه هذا يشمل موضوعات كثيرة نقتصر على تبيان أهمها وهو موقفه الحقيقي من يسوع الناصري من حيث تحديده لهويته الذاتية أولاً ودوره التاريخي ثانياً وإن معالجة الموضوع الرئيسي يغني عن التصدي لموضوعات ثانوية يأتي الحكم لها أو عليها نتيجة حتمية للحكم للموضوع الرئيسي أو عليه.


1) "إنجيل برنابا" وهوية يسوع الذاتية :


ما من شك أن الفكرة الكبرى الكامنة وراء "إنجيل برنابا" هي سلخ صفة المسيح عن يسوع الناصري وإلصاقها بمحمد وهو إذ يفعل يضع هذه الشهادة على لسان يسوع بالذات لتأتي قاطعة مطلقة وقد شهد يسوع بذلك أمام رسله أولاً وأمام الجماهير ورؤساء الشعب ثانياً .


اتسمت شهادة يسوع أمام رسله بطابع مختلف باختلاف الظروف فهي تبدأ بتلميح طارئ وتنتهي بتصريح حاسم لا يدع مجالاً من بعده لأي شك حول هوية يسوع الحقيقية وهوية المسيح المنتظر ......محمد! فما كان يسوع ليخفي على رسله بأنه ليس المسيح وقد أعلن لهم بعد أن اصطفاهم : "لقد جاءت الأنبياء كلهم إلا رسول الله ، الذي سيأتي بعدي لأن الله يريد ذلك حتى أهيئ له الطريق "(فصل 36/6).


ولما لم يرعوِ الرسل ويسلموا كلام يسوع هذا اضطر للإفصاح لهم عما يتهدده ويتهددهم ، إن لم يقلعوا عن جهلهم ويصدقوه . وما كان "إنجيل برنابا" ليكون أكثر جرأة ووضوحاً في ما نسبه إلى يسوع مما رواه في الفصل (70) في حوار له مع رسله جاء فيه :  "  أجاب يسوع : وما قولكم أنتم فيَّ ؟ أجاب بطرس : إنك المسيح ابن الله. فغضب حينئذ يسوع وانتهره بغضب : اذهب وانصرف عني لأنك أنت الشيطان وتحاول أن تسيء إلي . ثم هدد الاثني عشر قائلاً :ويل لكم إذا صدقتم هذا لأني ظفرت بلعنة كبيرة من الله على كل من يصدق هذا ."(فصل1/70-7).


وإن تطورت الأحداث بعد ذلك بقليل يضطر يسوع لمكاشفة رسله مرة أخرى حول حقيقته وحقيقة رسالته ، فيقول لهم :
"أما من خصوصي فإني قد أتيت لأهيئ الطريق لرسول الله الذي سيأتي بخلاص العالم " (فصل 72/8-11).


عند هذا يفرض سؤال آخر نفسه على الرسل ويجد يسوع نفسه ملزماً بالإجابة عنه ، بعد إذ طرح عليه ، باسم الجميع ، أحدهم وهو إندراوس ، ملحاً في الحصول على علامات ظهور المسيح المنتظر . وقد جاء في الفصل 72قوله:


"حينئذ قال إندراوس : يا معلم اذكر لنا علامة لنعرفه . أجاب يسوع : أنه لا يأتي في زمنكم بل يأتي بعدكم بعدة سنين ، حينما يبطل إنجيلي ، ولا يكاد يوجد ثلاثون مؤمناً في ذلك الوقت يرحم الله العالم فيرسل رسوله الذي تستقر على رأسه غمامة بيضاء ، يعرفه أحد مختاري وهو سيظهر للعالم .......وسينتقم من الذين سيقولون إني أكثر من إنسان ، فمتى شوهد سقوط عبادة الأصنام إلى الأرض وأعترف أني بشر كسائر البشر ، فالحق أقول لكم إن نبي الله حينئذ يأتي " (فصل 72: 12-24).


إلى هنا واسم يسوع المسيح المنتظر خاف على الجميع إلا أن شهادة يسوع أمام رسله ما كانت لتستنفذ كل شهادة له.
فهناك ما هو أكثر تخصيصاً وتصريحاً . تلك هي شهادة يسوع أمام الجماهير ورؤساء الشعب ، أدلى بها على إثر إحيائه ميتاً . وقد تكون طويلة لكنها ضرورية وافية . يروي "إنجيل برنابا" يقول:


"حدث اضطراب عظيم في اليهودية كلها لأجل يسوع ، فإن الجنود الرومانيين أثاروا بعمل الشيطان العبرانيين قائلين: إن يسوع هو الله قد جاء ليفتقدهم ! فحدثت بسبب ذلك فتنة كبرى حتى أن اليهودية كلها تدججت بالسلاح .... وقد نشأ هذا عن الآيات العظيمة التي فعلها يسوع ..... حينئذ هرع الحبر الأعظم والوالي الروماني و الملك هيرودس ليحجبوا الناس والجند بعضهم عن بعض قائلين لهم : أيها الإخوة إن هذه الفتنة إنما قد أثارها عمل الشيطان فإن يسوع حي ، وإليه يجب أن نذهب ونسأله أن يقدم شهادة عن نفسه وأن نؤمن به بحسب كلمته ...." وذهبوا إليه......
" ...فلما عرفوه أخذوا يصرخون : مرحباً بك يا إلهنا ، وأخذوا يسجدون له كما يسجدون لله ! فتنفس يسوع الصعداء وقال : اصرفوا عني يا مجانين ! فإني أخشى أن تفتح الأرض فاها وتبتلعني وإياكم لكلامكم الممقوت . فارتاح الشعب لذلك وطفقوا يبكون .... حينئذ رفع يسوع يده إيماء للصمت وقال : إنكم لقد ضللتم ضلالاً عظيماً أيها الإسرائيليون لأنكم دعوتموني إلهكم وأنا إنسان . ولما قال يسوع هذا صفع وجهه بكلتا كفيه فحدث على إثر ذلك نحيب شديد ، حتى لم يسمع أحد ما يقول .
" فرفع من ثم يده الأخرى إيماءً بالصمت ولما هدأ نحيب القوم تكلم مرة أخرى : أشهد أمام السماء ، أشهد كل شيء على الأرض أني بريء من كل ما قلتم لأني إنسان مولود من امرأة فانية بشرية ، وعرضة لحكم الله أكابد شقاء الأكل والمنام وشقاء البرد والحر ، كسائر البشر . حينئذ رفع الشعب أصواتهم باكين ، وطلبوا من يسوع أن يصلي لأجلهم ..... ولما انتهت الصلاة قال الكاهن الأعظم بصوت عالٍ : قف يا يسوع ، لأنه يجب أن نعرف من أنت تسكيناً لأمتنا .
أجاب يسوع : أنا يسوع ابن مريم ، من نسل داود ، بشر مائت ، ويخاف الله ، وأطلب أن لا يعطى الإكرام والمجد إلا الله ! أجاب الكاهن الأعظم : أنه مكتوب في كتاب موسى أن إلهنا سيرسل لنا المسيح الذي سيأتي ليخبرنا بما يريد الله ، ويأتي للعالم برحمة الله ، لذلك أرجو أن تقول لنا : هل أنت مسيح الله الذي ننتظره ؟ أجاب يسوع : حقاً وعد الله هكذا . ولكني لست إياه لأنه خلق قبلي وسيأتي بعدي .
سيأتي من الجنوب وسيبيد الأصنام وعبادة الأصنام ، وسيكون من يؤمن بكلامه مباركاً ....فأجاب الكاهن الأعظم مع الوالي والملك :....... سنكتب إلى مجلس الشيوخ الروماني المقدس بإصدار أمر ملكياً أن لا أحد يدعوك في ما بعد : الله أو ابن الله ....فقال حينئذ الكاهن الأعظم ماذا يسمى المسيح ؟ وما هي العلامة التي تعلن مجيئه ؟ أجاب يسوع أن اسم المسيح عجيب ...... أن اسمه المبارك : محمد ! حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين : يا الله أرسل لنا رسولك ! يا محمد تعال سريعاً لخلاص العالم
" (فصل 91-97).


هذا هو تعليم "إنجيل برنابا" في يسوع النبي الذي جاء ليمهد لظهور المسيح الحقيقي محمد . فما قول القرآن في ذلك ؟


إن القرآن على طرفي نقيض مع ما يدعى "إنجيل برنابا " :


فالمسيح بحسب القرآن هو يسوع ، عيسى ابن مريم ، ولا أحد سواه والقرآن يعلن ذلك كما ذكر اسم يسوع وما حدث له :


ففي البشارة به يقول :
"إذا قالت الملائكة : يا مريم إن الله يبشركم بكلمة منه اسمه المسيح ، عيسى ابن مريم ، وجيهاً في الدنيا والآخرة ، ومن المقربين " (آل عمران 45).
وفي التعريف به يقول:
" إنما المسيح عيسى ابن مريم ، رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه (النساء 170).
" ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " (المائدة 78).
وكذلك في آخرته يقول :
" وبكفرهم (اليهود ) وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ! وقولهم : إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ! وما قتلوه وما صلبوه ، ولكن شبه لهم . وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً " (النساء 157).
وأن القرآن ، إذ يكفر القائلين بألوهية يسوع ، لا يني يذكره على أنه المسيح ، فيقول في تكفير القائلين بألوهية المسيح :
" لقد كفر الذين قالوا : الله هو المسيح ، ابن مريم ! قل: فمن يملك من الله شيئاً ان أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً "(المائدة 19).
وأيضاً :
"لقد كفر الذين قاولا : أن الله هو المسيح ابن مريم . وقال المسيح : يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم " (المائدة 75).
وعندما يكفّر القرآن كل ترتيب ، لا يسلخ عن ابن مريم صفة المسيح ، وقد جاء في ذلك قوله :" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ، والمسيح ابن مريم ، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً ، لا إله إلا هو " ( براءة 32).


وهل من يجهل أن كلمة " المسيح " أصبحت في لغة القرآن اسم علم لابن مريم ؟
بعد ما ورد من نصوص قرآنية صريحة ، أيجوز لنا أن نسأل :
من هو المسيح ، يسوع أم محمد ؟  

 

2) " إنجيل برنابا " ودور يسوع التاريخي .


عند هذا لابد لنا من مواجهة سؤال يفرض نفسه كنتيجة حتمية لموقف " إنجيل برنابا " من هوية يسوع :
إن كان "إنجيل برنابا" قد جرد يسوع من صفة المسيح التي يعترف له القرآن بها ، فما هو الدور التاريخي الذي يحدده له ، أو يبقيه ؟


كان من المحتم على واضع "نجيل برنابا " أن يرسم ليسوع الناصري دوراً ينسجم مع ما وضع على لسانه من شهادات خطيرة تتصل به شخصياً كما تتصل "بالمسيح المرتقب".


وأنه ليتضح بما لا يدع مجلاً لأي شك أنه يرى في يسوع ما تراه الأناجيل الأربعة المعتمدة في يوحنا المعمدان ، ليس إلا.


وفي الواقع فإن " إنجيل برنابا" يتجاهل بالكلية وجود يوحنا المعمدان .لماذا؟ لا شيء إلا لأن يوحنا كان قج قام برسالة النبي المنذر بظهور يسوع المسيح والمهيء له . وقد اتضح ، منذ أن سلخ :إنجيل برنابا" صفة المسيح عن يسوع وألصقها بمحمد ، وأنه أصبح من الضروري إسقاط يوحنا المعمدان ، لأن وجوده لم يعد له ما يبرره . وهذا هو بالضبط ما فعله .فما قول القرآن في ذلك ؟


هنا أيضاً يتضح التناقض بين القرآن و"إنجيل برنابا" فاضحاً صارخاً . فالقرآن يعترف بوجود يوحنا بن زكريا ويسميه يحيى ، وهو يحدد له رسالة واضحة هي تصديق المسيح بين الناس والتبشير به وقد جاء في ذلك قوله :


" يا زكريا ، إنا نبشركم بغلام اسمه يحيى ، لم نجعل له من قبل سمياً ....يا يحيى خذ الكتاب بقوة . وآتيناه الحكم صبياً " ( سورة مريم 7-12) . وأيضاً :
" هناك دعا زكريا ربه قال : هب لي من لدنك ذرية طيبة ، إنك سميع الدعاء . فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب : إن الله يبشركم بيحيى ، مصدقاً بكلمة الله وسيداً ،و نبياً ، من الصالحين " .(آل عمران 38-39).
وللمرة الثانية نسأل :
هل وجد يوحنا المعمدان أم لا ؟
وهل يجوز لنا بعد هذه النصوص القرآنية الصريحة أن نـأخذ "بانجيل برنابا" دون القرآن؟  

 


  الفصل الرابع
إنجيل برنابا أمام محكمة التاريخ
 


إن التاريخ علم وثائق .فلا يحكم عليه أو له إلا بموجب وثائق ثابتة، معروفة ومعترف بها. و بديهي أن من يتكلم باسم تاريخ ما، يجب عليه أن يستند إلى ما يبرر أحكامه واستنتاجاته.


وإن الحديث عن المسيحية يجب أن يشمل الحديث عن مؤسس المسيحية أولا، إنسان وداعية، وعن العقيدة المسيحية ثانية، كتاباً ومبادئ، وعن مهد العقيدة ثالثا، أرضاً و مؤسسات وحضارة.


فما الذي يقوله "إنجيل برنابا" بصدد هذه النقاط الثلاث ن وما الذي يثبته التاريخ؟


1) مؤسس المسيحية بين" إنجيل برنابا" والتاريخ


يروي "إنجيل برنابا " عن مولد يسوع المعجز وعن طفولته وصباه أموراً كثيرة لا تمت بصلة إلى ما يحدثنا عنه التاريخ لا من قريب ولا من بعيد .ثم أنها ليست بذات شأن ،بالنظر إلى شخصية يسوع ، كما حددت صورتها وسيرتها المصادر التاريخية، المعروفة والثابتة، من مسيحية ويهودية ورومانية. وإننا إذ نعرض عن مثل هذه الأمور الثانوية ، نجدنا مضطرين للتوقف طويلا ً عند جانب من شخصية يسوع ، تصدى له "إنجيل برنابا "بما يتعارض تعارضاً كلياً مع ما اجتمعت عليه المصادر التاريخية نفسها إجماعا كاملاً . نعني بذلك موقفه من آخرة يسوع.


ليس من يجهل أن المسيحية منذ نشأتها، تثبت إيمانها أكثر ما تثبته، على موت المسيح وبعثه. وأن الأناجيل الأربعة المعتمدة لتضع هذه الحقيقة التاريخية في موضع الأساس من إيمان رسل المسيح والمسيحيين الأولين. وقد كان من الأجيال المسيحية المتعاقبة على مر العصور والمنتشرة في كل أنحاء الأرض ، أن ظلت مجمعة على هذه الحقيقة الجوهرية ،برغم اختلافاتها الكثيرة التي كادت أن تتناول كل ما عداها........ حتى أصبح الصليب رمز المسيحية الأكبر والأقدس، عبر التاريخ كله .وما تقوله المسيحية بصدد آخرة يسوع ،تؤكده المصادر التاريخية، اليهودية منها و الوثنية.


فالتلمود، وهو يضم مجموعة من التقاليد والشرائع اليهودية و الشروح التوراتية ، يحمل على يسوع الناصري وأمه ،مطلقاً عليهما أقذر النعوت بحقد لا يرحم ،وواصفاً موته – تارة شنقاً، وطوراً رجماً- بعقاب إلهي .


وأما المصادر الوثنية ،فإنها على ندرتها و اقتضابها ، حاسمة في شهادتها . فكتابات كل المؤرخين تاكيتوس (من55إلى 120م) وسويتونوس(من69إلى 141م)والوالي بلينوس الأصغر (من61إلى 115م) تؤكد من حيث لا تدري ،بأن ما جاء في الأناجيل عن آخرة يسوع حقيقة تاريخية لا ينال منها أي شك أو تشكيك . ومن أبرزها ما جاء في كتاب "الحوليات " لتاكيتوس،إذ يأتي على ذكر المسيحيين من خلال حديثه عن حريق روما أيام نيرون ، فيقول :


"أنهم دعوا مسيحيين نسبة إلى المسيح الذي حكم علي بيلاطس البنطي بالموت على عهد طيباريوس .وقد انتشرت هذه البدعة الخبيثة انتشاراً غريباً،ليس في اليهودية حيث نشأت وحسب ، بل في روما بالذات أيضاً .(كتاب الحوليات الثالثة 15/44).


أما ما جاء في "إنجيل برنابا" فعلى طرفي نقاد مع شهادة التاريخ والواقع المسيحي معاً . فهو يؤكد أن يسوع لم يمت ، وإنما رفعته الملائكة إلى السماء ، أن الذي صلب ليس إلا يهوذا الإسخريوطي الذي جاء بالجند ليسلمه إليهم لقاء فضة ،فحكم الله عليه أثناء فعلته النكراء وحوله إلى شبه بديل ليسوع ،فحكم الجند عليه وحوكم وصلب بدلا من يسوع .


تلك هي الرواية التي طلع بها "إنجيل برنابا "على العالم حول آخرة يسوع وإنها و الحق يقال لغريبة ومعقدة ،وقد كنا نود الاستشهاد بها كاملة ولكننا نقتصر لطولها نقتطفها مما يملأ الفصول (210إلى 221).
يروي "إنجيل برنابا "يقول:


"ذهب رئيس الكهنة على هيرودس وإلى الوالي الروماني ،متهماً يسوع بأنه رغب بأن يجعل نفسه ملكاً على إسرائيل وكان عندهم شهود زور ........ ولما جاء بوم أكل اللحم الفصحي أرسل نيقوديموس الحمل سراً إلى البستان ليسوع وتلاميذه ، مخبراً بكل ما أمر به هيرودس والوالي ورئيس الكهنة ....... وبعد العشاء الكبير، خرج يسوع من البيت ومال إلى البستان ليصلي ولما دنا الجنود مع يهوذا من المحل ا لذي كان فيه يسوع سمع يسوع دنو جمع غفير. فلذلك انسحب إلى البيت خائفاً . وكان الأحد عشر نياماً . فلما رأى الله الخطر على عبده ، أمر جبريل وميخائيل وروفائيل وأوريل سفراءه ، بأن يأخذوا يسوع من العالم فجاء الملائكة الأطهار وأخذوا يسوع ووضعوه في السماء الثالثة ، في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد......


" ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي اصعد منها يسوع. وكان التلاميذ نياماً. فأتى الله العجيب بأمر عجيب . فتغير يهوذا في النطق وفي الوجه فصار شبيهاً بيسوع . حتى أننا اعتقدنا أنه يسوع . أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم . لذلك تعجبنا وأجبنا : أنت يا سيد هو معلمنا أنسيتنا الآن ؟ أما هو فقال مبتسماً : هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفون يهوذا الاسخريوطي ؟ وبينما كان يقول هذا دخل الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا ، لأنه كان شبيهاً بيسوع من كل وجه . أما نحن فلما سمعنا قول يهوذا، ورأينا الجمهور، هربنا كالمجانين.....
"فأخذ يهوذا وحوكم وصلب بدلاً من يسوع ....فالذين ثبتوا راسخين في تعليم يسوع حاق بهم الحزن ، إذ رأوا من يموت شبيهاً بيسوع كل الشبه ، حتى أنهم لم يذكروا ما قاله يسوع...... أما التلاميذ الذين لم لخافوا الله فذهبوا ليلاً وسرقوا جسد يهوذا وأشاعوا أن يسوع قام .....
" وبلغ الخبر الناصرة كيف أن يسوع أحد أهالي مدينتهم، قام بعد أن مات على الصليب . فضرع الذي يكتب (أي برنابا) إلى أم يسوع أن ترضى فتكف عن البكاء لأن ابنها قام . فلما سمعت العذراء مريم قالت باكية : لنذهب إلى أورشليم ننشد ابني ، فإني إذا رأيته مت قريرة العين .......
"وصعد الملائكة الذين كانوا حراسا ًعلى مريم إلى السماء الثالثة حيث كان يسوع بصحبة الملائكة ، وقصوا عليه كل شيء. لذلك وع إلى الله أن يأذن له بأن يرى أمه وتلاميذه ، فأمر حينئذ الرحمان ملائكته الأربعة المقربين وهم (جبريل وروفائيل و أوريل وميخائيل)أن يحملوا يسوع إلى بيت أمه .فجاء يسوع محفوفاً بالسناء إلى الغرفة التي أقامت فيها مريم والرسل ....فخروا من الهلع كأنهم أموات .
فأنهض يسوع أمه والآخرين عن الأرض قائلاً:لا تخافوا إني أنا يسوع، لا تبكوا إني حي، لا ميت...ثم أجاب يسوع معانقاً أمه: صدقيني يا أماه لأني أقول لك:بالحق لم أمت قط.لأن الله قد حفظني إلى قرب انتهاء العالم" .


ولما قال هذا رغب إلى الملائكة أن يظهروا ويشهدوا كيف كان الأمر .... ثم قص الملائكة الأربعة على العذراء كيف أن الله أرسل إلى يسوع وغير صورة يهوذا ليكابد العذاب الذي باع له آخر ......


"والتفت يسوع إلى الذي يكتب ، وقال : يا برنابا عليك أن تكتب إنجيلي حتماً وما حدث بشأن مدة وجودي في العالم . واكتب أيضاً ما حل بيهوذا ليزول انخداع المؤمنين ويصدق كل أحد الحق ....."


تلك هي رواية إنجيل برنابا لساعات يسوع الأخيرة ولآخرته فكيف السبيل للتوفيق بينها وبين التاريخ ؟
هل نأخذ بها فنخلص إلى اتهام الله بمثل هذه الألاعيب التي صحت نسبتها إليه تكون قد جرت على الإنسانية بخطيئته هو ويلات ضياع وغش وتضليل لا حد لها ؟....
أم نأخذ بالتاريخ ، فنبقى بحدود المنطق البشري والقصد الإلهي ؟


2) العقيدة المسيحية بين "إنجيل برنابا"والتاريخ.


إن العقيدة المسيحية ، كتاباً ومبادئ ، مدونة كلها في الإنجيل ولكن أي إنجيل هو هذا الذي نتكلم عنه ؟
إن واضع "إنجيل برنابا " يدعي أن كتابه هو وحده الإنجيل الصحيح فما قول التاريخ في ذلك ؟


إن التاريخ يؤكد بلسان جميع المسيحيين ن منذ أن عرف للمسيحيين وجود في العالم القديم ، أن إنجيل يسوع المسيح هو الإنجيل بصيغه لأربعة ، التي وضعها كل من متى ومرقس ولوقا ويوحنا ،، والتي انتشرت في جميع أقطار الإمبراطورية الرومانية آنذاك ن بفضل إسنادها إلى رسل المسيح بالذات وإن نتيجة علمية كهذه تضعنا أمام اختيار واضح لا مفر منه .


ويؤكد التاريخ أيضاً أن لا أثر قبل سنة 1709لكتاب اسمه إنجيل برنابا ما لم يكن المسيحيين كلهم على اختلاف عصورهم وبلدانهم ، برؤسائهم وجماهيرهم ، قد تآمروا طوال ستة عشر قرناً ، على إخفاء إنجيل .....سوف يتضح لنا بأنه قد لا يكون وضع إلا في القرن السادس عشر!...


ونصل إلى السؤال الذي يدور حول شخصية "برنابا"،الرسول الذي وضع "الإنجيل الصحيح ليسوع المدعو المسيح".


من تراه هذا الذي يؤكد منذ السطور الأولى من "إنجيله"إنه أعظم الرسل ،وأن يسوع أمره بتصحيح أخطائهم عندما ينحرفون ،وأنه عهد إليه وحده بمهمة تبليغ العالم أجمع رسالته ، خالية من كل تحريف وتضليل ؟


إن الإجابة على هذا السؤال تقودنا إلى سؤال آخر يدور حول وجود مزعوم لرسول اسمه برنابا ،بين من تذكرهم الأناجيل المعتمدة بأسمائهم ،على أنهم رسل المسيح الأولون. فمن هو برنابا الحقيقي؟ وما علاقته بيسوع الناصري أولاً،وبالرسل "زملائه"ثانية؟هل "برنابا "حقاً زعيم الرسل ،كما يدعي والمؤتمن الوحيد على رسالة يسوع الناصري ؟وما هو جواب التاريخ على مثل هذا الإدعاء؟


من الواضح أن التاريخ لا يصادق ، لا من قريب ولا من بعيد ، إدعاء كهذا . فليس من ذكر على الإطلاق لمدعو برنابا في أي من الأناجيل الأربعة المعتمدة ، وهي ، شئنا أم أبينا تكون المصدر الرئيسي الثابت في دراسة تاريخ المسيحية وإن أول ذكر لتلميذ –لا رسول- يدعى برنابا ، ورد في أعمال الرسل ، بعد ارتفاع يسوع إلى السماء ، وبعد انتشار المسيحية بين صفوف اليهود والوثنيين في فلسطين وخارجها وإذا برنابا – ومعناه " ابن العزاء "(أعمال 4/36) – لقب ليس إلا ، ليهودي لاوي من قبرص اسمه يوسف ، أصبح مساعداً للرسل في خدمة الشعب والتبشير بالإنجيل . وقد كان أول من تجرأ على الاجتماع ببولس اثر عودة المضطهد السابق من دمشق إلى القدس (أعمال الرسل 9/26-28) . ومن ثم كتب لبرنابا أن يكون من أكثر التلاميذ ملازمة لبولس في العديد من جولاته التبشيرية.....وقد كان لوقا تلميذ بولس ، خير شاهد على اعتناق برنابا المسيحية أولاً (أعمال 4/36) وعلى علاقته بالرسل وببولس ثانياً . فدون في سفر أعمال الرسل كل ما عرف من شهود عيان، أو كل ما شاهد بنفسه ، بمنتهى الأمانة والموضوعية .فذكر من جهة ما كان يتمتع به برنابا من ترفع عن المال ونفوذ لدى الرسل (أعمال 4/36-37)، ومن جرأة وتفان في سبيل الرسالة (أعمال 9/26-28).


كما أنه لم يتورع عن ذكر الخلاف الذي نشب بينه وبين صديقه بولس ،بسبب انحيازه إلى ابن أخته يوحنا الملقب بمرقس (أعمال12/12).وكان مرقس رفيق دربهما فترة من الزمن ،ثم أظهر شيئاً مما اعتبره بولس تخاذلاً،فثار غضبه وتوترت الحال بينه وبين برنابا ،فارتأى الصديقان أخيراً أن يذهب كل في دربه ،يخدم مع رفيق آخر،الرسالة نفسها "فأخذ برنابا مرقس وأقلع إلى قبرص أما بولس فاختار سيلا وانطلق ، بعد أن استودعه الأخوة نعمة الله ،فطاف في سورية وكيليكية يثبت الكنائس "(أعمال الرسل 15/36-41)
هذا كل ما في العهد الجديد،وقد جاء في سفر الأعمال وحده ،عن ذلك المسمى بيوسف القبرصي والملقب ببرنابا ، والذي يزعم أنه" تلميذ يسوع الناصري المدعو المسيح "،وأنه واضع "الإنجيل الصحيح ليسوع المدعو المسيح ".


ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام أمرين لا ثالث لهما:


فأما أن نصدق شاهد عيان اسمه لوقا ، أتت شهادته منسجمة انسجامـاً كاملاً مع المسيحية كلها .
أما على صعيد المبادئ الحقيقية "للإنجيل الصحيح"،فإن تصريحات" إنجيل برنابا"لا تقل خطورة وجذرية عن غيرها .فهو يدعي ، منذ السطور الأولى أن" الكثيرين قد خدعوا بتعليم إبليس بداعي التقوى ، وكرزوا بتعليم الكفر مدعين أن يسوع ابن الله ".وهو إلى ذلك وفي سبيل الدفاع عن المبادئ" الصحيحة"التي ينادي بها ،يحمل بولس المسؤولية الكبرى في تأليه يسوع الناصري ، وبالتالي في جر الإنسانية إلى عملية تضليل ، هذا شمولها وهذه أبعادها وخطورتها .


وتأتي شهادة التاريخ على خلاف ما يدعي وإن التاريخ لمحك واقعي صلب يذوب دونه كل ادعاء لا يستند إلى حق وفي دنيا التاريخ لا يكفي رفض الشيء أو إنكاره ليول ويصبح كأنه ما كان !
إن رفض " إنجيل برنابا" لإلوهية يسوع المسيح لا يبطلها فهي ليست من صنع بشر . لأن الشعب اليهودي كان أكثر الشعوب تمسكاً بعقيدة الوحدانية ، وأعنف الشعوب رفضاً لأي مظهر من مظاهر الشرك وإن شهادة الإنجيل المعتمدة لصريحة بذا الصدد ، وهي تؤكد أن محاولات القضاء على يسوع إنما قامت دائماً لأنه يجعل نفسه إلهاً وإنساناً (يوحنا 10/33) . حتى كانت شهادته الأخيرة والفاصلة أمام هيئة المحكمة العليا .... وكان ما كان.


عند هذا لا بد من المجاهرة بأن اليهود – وكان منهم غالبية المسيحيين الأولين – آمنوا بإلوهية يسوع الناصري مكرهين ، لأنهم لم يستطيعوا أن يفلتوا من الإذعان الكامل لكل ما رأوا وسمعوا وخبروا ...لا سيما وأن ما نالهم من جراء ذلك ، ما كان لا جاهاَ أو مالاً ، بل اضطهاداً وقتلاً !


أما تحميل بولس مسؤولية تأليه يسوع ، فمثله كمثل من يقول بأسبقية الطفل على أمه ! إنما بولس وهو الفريسي المتعصب ليهوديته وعقيدته ، ثار على المسيحية لقطع دابر الكفر الذي نادى به استفانوس بعد الرسل وشهد له ، أول الشهداء وكان بولس شاهداً أول على استشهاده !


ولكن بولس أخذ بدوره بالنور الجديد ،وآمن ، فدخل على العقيدة ، كما كانت من قبله،لاكما كانت من قبله ،لاكما تصورها هو ،و نادى بها حتى الاستشهاد ،لاكما نسبت إليه ،بل كما سلمت إليه ...
وجاءت شهادته ،ومن بعدها استشهاده ، منسجمين انسجاماً كلياً مع شهادة الرسل الأولين واستشهادهم ‘وعلى رأسهم زعيمهم بطرس !


3)ونأتي أخيراً إلى موقف "إنجيل برنابا"من مهد العقيدة المسيحية ،أرضاً ومؤسسات وحضارة .


إن واضع "إنجيل برنابا" يتحدث عن مهد المسيحية ،فلسطين ،وكـأنه أكثر الناس معرفة بها .فنفاجأ به يرتكب أخطاء فادحة لا تغتفر ، سواء ما كان منها على الصعيدين الجغرافي والسياسي ، أ, على صعيد الحياة الدينية ،اليهودية منها أو المسيحية .


إن الأخطاء تتوالى في "إنجيل برنابا "بالنسبة إلى طبيعة الأرض الفلسطينية .وليس لها ما يبررها أو يفسرها إلا جهل فاضح بهذه الأرض ، التي قد لا تكون وطئتها أقدام الكاتب . من ذلك إنه يضع الناصرة على شاطئ بحيرة طبريا (فصول 20و147-150) ،في حين أنها تبعد عن البحيرة 20كم وترتفع عنها 600م.وهو يصف مدينة كفرناحوم بأنها مبنية على جبل (فصل21)في حين أنها تقع على شاطئ بحيرة طبريا .وهو يحدد موقع مدينة صور على ضفاف نهر الأردن ، والحال أنها مرفأ على الساحل الفينيقي ، وهي تبعد ما لا يقل عن 200 كم عن مصب نهر الأردن .كما أنه يجعل من أورشليم القدس مرفأ حيث يردد مراراً"وركب يسوع السفينة ومضى إلى أورشليم " ، مع أنه ما من إنسان يجهل أن القدس مدينة جبلية تفصلها عن المتوسط أو البحر الميت أو بحيرة طبرية ،عشرات الكيلومترات ، وأنها ترتفع قرابة 500 متر عن سطح البحر .


أما على صعيد الحياة السياسية ،فيدلل واضع "إنجيل برنابا " على جهل ليس دون جهله بجغرافية المنطقة ، منذ لك أنه يقول أن حاكم فلسطين ، إبان ميلاد يسوع الناصري ، كان بيلاطس البنطي ، فيما التاريخ يؤكد أن بيلاطس كان يتولى الحكم إبان محاكمة يسوع وموته ، وقد امتدت ولايته من سنة 26إلى 36 . ونراه يؤكد أن مجلس الشيوخ المقدس(كذا!)في روما ، أصدر قرارين بصدد يسوع ، وهو بعد حي في حين أن التاريخ المدون ، سواء منه الروماني أو اليهودي ، لم يأت على ذكر يسوع إلا عرضاً ،وبعد سنوات كثيرة من انتشار المسيحية .ثم من أين كان لروما الوثنية آنذاك "مجلس شيوخ مقدس "؟!


وليست الحياة الدينية كما عرض لها"إنجيل برنابا"بأقل نصيباً من جهل المؤلف وتجنيه على الوقائع .فهو يؤكد مثلاً أن حنان و قيافا كانا رئيسي الكهنة إبان ميلاد يسوع . والتاريخ يروي أن حنان تولى رئاسة الكهنوت من السنة 6إلى 15 ،وأن قيافا زوج ابنته ،تولاها بدوره من السنة 18 إلى 36،وأنه هو الذي ترأس بحضور حنان ، المحكمة اليهودية العليا التي حكمت على يسوع بالموت . ثم أن "إنجيل برنابا " يصرح بأن عدد الفريسيين في أورشليم وحدها بلغ المائة ألف ،وأنهم كانوا رهباناً متوحدين ....وأنهم كانوا يعدون بالألوف منذ عهد إليا النبي ،أي منذ القرن التاسع قبل المسيح ! في حين أن التاريخ يؤكد أن الفريسيين لم يعرفوا كحركة سياسية إلا في القرن الثاني قبل الميلاد ، وأن عددهم في فلسطين كلها أيام المسيح ما كان ليتجاوز الستة آلاف ، وأنهم كانوا متزوجين ، ويعيشون الحياة اليومية العادية ، لا يميزهم عن غيرهم إلا تمسكهم المفرط بالتقاليد الموروثة ، وعداؤهم السافر للمستعمر الروماني الوثني .


ويقول "إنجيل برنابا" أن كلاً من رئيس الكهنة وهيرودس وبيلاطس كان يرئس جيشاً مؤلفاً من مائتي ألف مقاتل (فصل 92-93) ، وإن حرباً أهلية كادت تقع بين هذه الجيوش لاختلافها على الإيمان بألوهية يسوع أو الكفر بها . أما التاريخ فيروي أن عدد سكان فلسطين كلها ما كان آنذاك ليتجاوز المليون . وأن رئيس الكهنة ما كان ليحكم على أي جندي ، وأن هيرودس لم يكن ليتمتع بأي سلطة عسكرية ، وأن الجيش الروماني كله المرابط في فلسطين ما تجاوز الستة آلاف مقاتل ، إلا إبان حرب السبعين .


ويذكر "إنجيل برنابا" أخيراً وليس آخراً أن الجنود الرومانيين كانوا يجتمعون إلى يسوع في الهيكل وأنهم كانوا أول من صدقه ونادى به إلهاً ... إلا أن أي مطلع على أمور التاريخ القديم يعرف أنه يحظر على الوثنيين دخول الهيكل وإلا تعرض المخالف للموت الفوري كما كاد يحدث لبولس ورفاقه اليونانيين المتنصرين وفق ما جاء في سفر الأعمال (فصل 21/27-36) .


وإذا ما تابعنا المقارنة بين إدعاءات "إنجيل برنابا " ومعطيات التاريخ نكتشف تناقضاً آخر على صعيد الدعوة المسيحية كما جاء بها يسوع . من ذلك قول "إنجيل برنابا" أن يسوع كان يعلم الجماهير ، واقفاً على جناح الهيكل (فصول 128-129) ، وكأني به فوق منبر مسجد أو كنيسة مع أن التاريخ وعلم الآثار يوضحان أن جناح الهيكل المذكور يعلو مائتي متر عن أرض قدرون . وما كان ذلك بخاف عن على شاهد عيان ، والجدار نفسه لا يزال قائماً إلى اليوم! ثم إن "إنجيل برنابا" يضع على لسان يسوع أبحاثاً فلسفية في الجسد والحس والنفس والخطيئة والشر والقضاء والقدر ، ليس من يجهل أنها بعيدة كل البعد عن روح الإنجيل وغايته وأنها ما كانت لتثار ، وما أثيرت في واقع الأمر ،إلا في القرون الوسطى .


ونجد أخيراً أن "إنجيل برنابا" ينفي عن المسيحية جوهرها ، إذ يضع على لسان يسوع إنكاره لإلوهيته واستنكاره لكل من لا يجاريه في ذلك . وأما التاريخ فإنه يعلن بكل يقين ووضوح أن المسيحيين آمنوا بيسوع المسيح إلهاً منذ اللحظة الأولى ، لا لأنهم هم ألهوه أو انقادوا لبولس بل لأنه وهو الإنسان فرض عليهم الإيمان به إلهاً ، بسبب كل ما شاهدوا وعرفوا وخبروا.

 


 
 الفصل الخامس
برنابا بين الحقيقة و الانتحال  

ما كان اسم برنابا بمجهول في المسيحية الأولى . وقد تبين لنا في الفصل السابق أنه لقب لأحد المؤمنين الأولين واسمه يوسف القبرصي .الذي كان له شرف السبق في الاجتماع ببولس في القدس،بعد إذ أجحم سائر الرسل والتلاميذ عن مقابلته خوفاً منه (أعمال9/26-27).ولئن كان لنا من مصدر موثوق نطالع فيه بعض الخطوط من سيرته فإنما هو سفر الأعمال الذي خطته يد شاهد عيان اسمه لوقا ،عاصره وكان من بعده ،رفيق بولس ومعاونه ومؤرخه في جولاته التبشيرية .ذاك هو المصدر الوحيد الذي أتى على ذكر برنابا ،ولا مصدر آخر سواه .


من هو إذاً"تلميذ يسوع الناصري"الذي انتحل لنفسه اسم "برنابا"ومعه انتحل المكانة الأولى بين رسل يسوع الناصري،وتصدى لمهمة تبليغ الناس "الإنجيل الصحيح ليسوع المدعو المسيح "،وتصحيح الانحراف الرهيب الذي أدخله على المسيحية ومن خلالها على الإنسانية جمعاء ،"إبليس" عينه في شخص بولس ؟وبتعبير آخر من هو واضع "إنجيل برنابا"؟وهل من سبيل إلى معرفته ؟


كل هذه الأسئلة كانت وما تزال بدون جواب شاف .فمازال واضع "إنجيل برنابا"مثاراً للتساؤلات الكثيرة .وقد تعددت حوله الآراء ،بل التخمينات وليس بها ما يطأ بنا أرضاً صلبة .


من الباحثين من يقول أنه قد يكون أندلسياً مسلماً أرغم على اعتناق المسيحية ، في جملة من أرغموا على ذلك ،بعد سقوط غرناطة في أيدي الإسبانيين المسيحيين سنة 1491،فأراد الثأر لحريته ودينه ، فوضع هذا الكتاب . ويستند أصحاب هذا الرأي لوجود ترجمة قديمة في اللغة الإسبانية ل" إنجيل برنابا"، قد تكون نقلت بعد ظهوره بقليل.


ومن الباحثين أيضاً من يرجحون أنه راهب ايطالي يدعى "مارينو"اعتنق الإسلام فحاول تبرير ما فعله، وطلع على الدنيا بما يظنه توفيقاً تاماً بين القرآن ومسيحية نقية من كل تحريف . وقد يكون رمى بذلك إلى وضع حد للصراع المسيحي الإسلامي بعد إذ استفحل شره . ويستشهد الآخذون بهذا الرأي بما جاء بمقدمة الترجمة الإسبانية نفسها ، التي قام بها مسلم أندلسي يدعى مصطفى العرندي ، فما من مصدر آخر غيرها يذكر الراهب الإيطالي . وقد اعتبرت هذه المقدمة من الأهمية بحيث أنها نقلت مع النص الكامل للكتاب إلى الإنكليزية سنة 1907،وعنها إلى العربية سنة 1908. وقد يدعم هذا الادعاء ما تنطوي عليه بعض العبارات من حقد وتحامل وتشهير على الكهنة المسيحيين وإن الخارج على قومه لأقصى الناس عليهم .


ومن الباحثين أخيراً من طلعوا برأي أخير يذهب إلى الاعتقاد بأن واضع "إنجيل برنابا" يهودي سعى إلى ضرب الدينين الكبيرين ، المسيحية و الإسلام ، الواحد بالآخر . مسهماً بذلك في نمو الصراع القائم بينهما ، ومنتقماً لبعض ما نزل من اضطهاد خصوصاً في الغرب المسيحي ، بأبناء جلدته وعقيدته.


وإن القائلين بهذا الرأي ومنهم مترجمه إلى العربية الدكتور خليل سعاده ، يدعمونه بما يبرهن عليه واضعه من إلمام عجيب بأسفار العهد القديم ومن تشديد على ضرورة الاختتان واصفاً الذين لا يمارسونه "بأنهم دون الكلاب" (22) وأيضاً مما يحتوي عليه من " التقاليد التلمودية التي يتعذر على غير اليهودي معرفتها " وهم إلى ذلك يذكرون بما شحن به التاريخ اليهودية ، القديم والحديث ، من شتى أنواع الدس و الوقيعة في كل أرض وطئتها قدمهم وقد لا يكون هذا التفسير على خطأ بنسبة ما يبدو لأول وهلة .


أما تاريخ ظهور " إنجيل برنابا"، فقد سبق لنا أن بيننا أنه لم يعرف قبل سنة 1709، على ما رافق التعايش – أو التصارع – المسيحي الإسلامي ، من خلافات فكرية و مشادات ومناظرات .إلا أن هناك دلائل كثيرة تشير إلى أنه وضع في القرون الوسطى .


من ذلك نظريته في النفس والحس ، وتقسيمه النفس إلى حسية ونباتية وعقلية (106) كذلك نظريته في التغذية في ملكوت السماوات (174) ، فكلتاهما تشيران إلى قضايا ما عرفها الفكر المسيحي وبحثها قبل القرون الوسطى . ومن ذلك أيضاً صوفيته الخاص بالفترة نفسها ، وهي ترى في العبادة والتقوى صراعاً بين الشيطان والنفس (122) . وتعتمد البكاء المتواتر وسيلة تكفير واتضاع وتقرب إلى الله ، كما أنها ترى في الرثاء تحايلاً على الله وسرقة لبعض مجده (12 ،58، 92 ، 93). وكلها أفكار ليس من يجهل أنها راجت في القرون الوسطى وأوائل عصر النهضة.


وهناك أيضاً تقسيمه الجحيم إلى سبع دركات ،أعد كل منها لأحدى الخطايا الرئيسية السبع ، إذ يقول :"اعلموا أن الجحيم هي واحدة ، ومع ذلك فإن لها سبع دركات فكما أن للخطيئة سبعة أنواع ، إذ أنشأها الشيطان نظبر سبعة أبواب للجحيم ، كذلك يوجد فيها سبعة أنواع من العذاب " (135) . وهذه أيضاً فكرة لم تثر في المسيحية قبل القرن الرابع عشر .


ولا نغفل إشارات وعادات ومفاهيم ومناسبات ، وردت في "إنجيل برنابا" وهي كلها من صميم القرون الوسطى ، نخص بالذكر منها حديثه عن اليوبيل المئوي الذي أسسه البابا ونيفاسيوس الثامن سنة 1300 (83).


وثمة برهان يشير إلى أنه وليد القرون الوسطى ، ذلك هو تقسيمه إلى فصول فمن الثابت أن الكتاب المقدس لم يقسم إلى فصول إلا سنة 1226 بمبادرة من العالم الإنكليزي "ايتيين لانغدون " (ETIENNE LANGDON)


كل هذه الاعتبارات لا تدع مكاناً لأي شك في أن "إنجيل برنابا"من وضع القرون الوسطى .ولكن هل من سبيل إلى تحديد أوفر في دقة لتاريخ ظهوره ؟


يبدو أن ذلك ليس بمستحيل . فلغته الإيطالية ، وهي لغة مقاطعة توسكانا ، تتخللها تعابير من لغة البندقية ، وهي لغة شاعت في إيطالية بعد الشاعر دانتي ، الذي تدين له إيطالية بالقسط الأكبر من لغتها الحديثة والذي توفي سنة 1321.


إلا أن ثمة براهين لا يجوز إغفالها ، يفضيان بنا إلى تفسير اللغز الذي يحوم حول فترة ظهور " إنجيل برنابا " .


ويظهر أولهما في نوع الخط الإيطالي المعتمد في المخطوط الإيطالي فهو في تقدير الأخصائيين ، لم يعرف قبل القرن السادس عشر .وأم الثاني فيظهر في نوع الحبر المستعمل ، الذي لم يعرف قبل النصف الثاني من القرن السادس عشر .


كل ذلك يفترض أن تكون النسخة الإيطالية هي الأصلية ، لا مترجمة عن العربية كما يدعي بعضهم وما كلن إلا لأخصائيين أن يجزموا بهذا الصدد وهذا هو بالذات ما خلص إليه مستشرقان إيطاليان هما " فلينو"و"جويدي"، وهما أدرى بلغة بلدهما من سواهما . فالمخطوط في تقديرهما لا يحمل سمة الترجمة ، ولا ينطوي على ما تنطوي عليه ترجمات القرون الوسطى وكل ترجمة عامة من عبارات وأساليب بيانية تفضح اللغة الأصلية .


أن يكون إذن"إنجيل برنابا" من وضع القرون الوسطى أمر لا يجوز أن يحوم حوله أي شك . وقد لا يكون بعيداً عن الصواب من يرى أنه وليد القرن السادس عشر .  


  الخاتمة  


يوم ظهر "إنجيل برنابا" في ترجمته العربية سنة 1908 ظن بعضهم فيه خيراً كبيراً ...... وخشي بعضهم شره .....
وما كانوا ليدركوا حقيقته!
والواقع أنه لا هو خدم الإسلام , ولا هو هدم المسيحية .


إن التعارض قائم مطلقاً وجذرياً بين القرآن و "إنجيل برنابا " من حيث موضوعه الأساسي ألا وهو "مسيحية " عيسى ابن مريم . لذا وجب على كل مؤمن بالقرآن وعارف بـ "إنجيل برنابا " ، أن لا يضع مجالاً للمساواة أو الاختيار بينهما .


وقد يسعى بعضهم إلى التهوين من شأن التعارض فيهملون ما يختلفان عليه ويأخذون بما قد يأتلفان فيه .... وقد يفعلون ذلك ظانين فيه دعماً للقرآن . ولكن أمراً كهذا مرفوض علمياً ومنطقياً .
علمياً لأن زيف"إنجيل برنابا" قد فضح نهائياً ....


ومنطقياً لأن موضوعه الأساسي فاسد فهل يجوز اعتبار ما يبنى على الفاسد صالحاً ؟
وإننا لذاهبون إلى ما هو أبعد من ذلك : فنحن نرى أن نبذ " إنجيل برنابا" يخدم الإسلام بالذات فهو ينقض القرآن و يورد ما لاصحة لسنده من القصة في المعتقد الإسلامي . مثال ما رواه من خلق الله لآدم حيث قال : " لما انتصب آدم على قدميه رأى في الهواء كتابة تتألق كالشمس ، نصها : لا إله إلا الله محمد رسول الله – مرحباً بك ياعبدي آدم . وإني أقول لك : إنك أول إنسان خلقت . وهذا الذي رأيته , هو ابنك الذي سيأتي إلى العالم بعد الآن بسنين عديدة . وسيكون رسولي الذي لأجله خلقت كل الأشياء والذي متى جاء سيكون نوراً للعالم هو الذي كانت نفسه موضوعة في بهاء سماوي ، ستين ألف سنة قبل أن أخلق شيئاً . حينئذ كتب الله على ظفر إبهام آدم اليمنى (لا إله إلا الله ) ! وعلى ظفر إبهام اليد اليسرى (محمد رسول الله ) ! فقبل الإنسان الأول بحنو أبو هذه الكلمات ......


وعند خروج آدم من الحنة رأى فوق بابها : (لا إله إلا الله ! محمد رسول الله ) ! (فصل 39) أما " إنجيل برنابا" لم يهدم المسيحية فليس أدل على ذلك من أن الهدف إلا بعد من وضع الكتاب واضح وهو يبرز من خلال كل سطر فيه ولكنه من حيث تأثيره أشبه شيء بصوت الطبل يظنه الجاهل شيئاً و هو ليس بشيء .
وهو إلى ذلك ليس أول محاولة قامت لهدم المسيحية وما كانت الأخيرة ولكنه لن يظفر من الإنسان العارف إلا بالإعراض الساخر وقد يدفعه إلى مزيد من الإعجاب بشخصية ذاك العملاق الذي حير العقول و الألباب منذ ألفي عام ، ولسوف يحير :
يسوع الناصري ابن فلسطين .

 

  

 

 

الخدمة الأرثوذكسية الألكترونية

تعلم الموسيقا البيزنطية

أعمال الدكتور دانيال عيوش

التفسير التطبيقي للكتاب المقدس
الكتاب المقدس بكل اللغات
الأسفار القانونية الثانية للكتاب المقدس

رعاة لا يُغيّبهم الموت

 المثلث الرحمات المطران بولس   متروبوليت قربان
البطريرك الياس الرابع

Al Orthodoxiya

radioalbishara

Ancient Faith

.....................................................................................

نلفزيون المنارة الأرثوذكسي

 تلفزيون البشارة الأرثوذكسي على الإنترنت

مكتبة البشارة بانياس سوريا

بطاقات معايدة أرثوذكسية

موقع المحبة الأرثوذكسي