Skip to content

التراث الارثوذكسي
معهد القديس يوحنا الدمشقي - البلمند
حركة الشبيبة الأرثوذكسية
انت فيالرئيسية arrow شفيعنا
حياة القديس سيرافيم

القديس سيرافيم

كانت حياة القديس سيرافيم ساروفسكي(نسبة على مدينة ساروف) بسيطة حتى آخر حدود البساطة ومنسجمة. على أن هذه البساطة كانت تنطوي على سر عظيم. فقد كانت حياته هذه تنتقل به وتنساق في عهود منها الثمرة الروحية النامية عن العهد الذي سبقه.


  نشأته وترهبه
كانت الحقبة الأولى من حياته تتألف من عهد صباه مذ ظهر إلى الوجود في 19 تموز سنة 1759 حتى يوم دخوله دير ساروف سنة  1779. وكان القديس سيرافيم هذا إبن قوم تجار أنقياء من مدينة (كورسك) من عائلة موشنين، وكان يدعى (بروخور). لم يكن يظهر منذ البدء ما يلفت النظر على هذا الفتى النبيه المرح اللاهي مع أترابه بكل جوارحه. لم يكن يظهر عليه ما يلفت النظر سوى البصيرة الحادة التي كانت تجعل من العالم الغير المنظور واقعاً قريباً منه كل القرب. فقد اعتراه في صباه مرض شديد الوطأة وكان يرى في أثنائه العذراء الطاهرة تتكلم عليه وتعده بالشفاء. وكان يرى نفسه مدعواً إلى الحياة الرهبانية. فلما بلغ الثامنة عشرة انطلق في زيارة تقوية يحجّ فيها إلى مدينة (كييف) يصحبه فريق من أصدقائه الذين أصغوا إلى هذه الدعوة ولبّوا نداءها معه. وهناك جثوا على ركبهم يصلون أمام ذخائر القديسين في دير بتشرسكايا. وقابل فيه الستارتس (أي الأب الروحي) واستشاره فارسله هذا إلى صوامع ساروف.فلما بلغ العشرين تخلى عما ورثه من والده ووزع ما يملكه على الفقراء وترك مسقط رأسه إلى الأبد لا يحمل معه إلا همياناً صغيراً وعصاً. وكان كنزه الثمين الوحيد صليباً من نحاس باركته به أمّه فلم يفارقه طوال حياته.


  حياته في الدير


ومن سنة 1779 حتى سنة 1793 عاش عيشة المبتدىء ثم انتقل منها إلى عيشة الراهب وكان طائعاً لأبيه الروحي( ستارتس) طاعة مطلقة. فعمل أولاً مثل فرّان ثم كنجّار ثم صار قندلفتاً. وكان يمارس الأصوام ولا يكلّ من تلاوة الكتاب المقدس وكتابات الآباء القديسين ولا تفتر له همة في الصلاة المستمرة. وكانت ظواهره ظواهر شاب طلق المحياء صبيح الوجه جميل الصورة نشيط الهمة لم توهن همته الأصوام والتقشّفات، بل كان يتمم بلباقة تامة الأعمال الخشنة كالأعمال السهلة. وكان يوماً حطّاب الصوامع وكان يحفر على خشب السرو الصلبان للرهبان.


  طباعه 

 وكان صموتاً قليل الكلام يتجنب الأحاديث ويعتزل الناس في أوقات فراغه إلى الصلاة في الغابات. ومع هذا كله فإنه لم يكن عبوساً مقطباً بل كان بشوشاً يشجّع المحزونين أما بكلمة تخرج من فمه أو بابتسامة تظهر على شفتيه. ولم تكن بشاشته هذه تنبىء عن مزاح متفائل طبيعي فيه لأن النزعة المتغلبة عليه كانت نزعة كآبة وقنوط كان يعمل للتغلب عليها بالاستمرار على الصلاة فينال بها الطمأنينة والسلام. ولم تتركه هذه الطمأنينة قط في أمراضه وأوجاعه. فقد ركبته مرة علة طالت ثلاث سنوات لم يتذمّر منها أبدا ولم يستشر طبيباً بل سلّم نفسه لعناية((طبيب الأجساد والأرواح، الطبيب الحقيقي الوحيد يسوع المسيح ووالدته العذراء الطاهرة)).


  ظهور العذراء ثم السيد

 وقد ظهرت له في هذه الحقبة مرة ثانية السيدة العذراء ظهوراً خشوعياً شفي بعده من علته. وقد خاطبته السيدة العذراء في هذه الرؤيا بنفس الكلمات التي تفوهت بها في مرض صباه إذ قالت تشير إليه: ((إن هذا إنما هو من جماعتنا)). وبعد شفائه بوقت قصير انطلق هذا الراهب الشاب، وقطع الأسفار يطلب الصدقات من الناس من أجل بناء كنيسة في حوش الدير. وفي 13 آب 1786 لبس(بروخور) الأسكيم الرهباني وبات أسمه(سيرافيم). ثم سيم شماساً ومن بعدها كاهناً. واشتهرت هذه الحقبة من حياته باشتراكه اشتراكاً روحياً حاراً بالأسرار المقدسة. وحدث مرة في خدمة يوم الجمعة العظيم أن ظهر له السيد المسيح((وعلى وجهه سيماء إبن البشر المتألم)).


  فترة النسك

 وسنة 1794 بدأت في حياته تباشير ظواهر جديدة. فقد نال سيرافيم الأذن بالأعتزال في مكان بعيد عن الدير فانزوى هناك في كوخ حقير في بطن الغابة. ومن تلك الساعة بدأت صلواته الطويلة الإنفرادية واستعلاؤه الروحي الإنخطافي صوب أفلاك لا يتصور كثير من الناس وجودها. كان يجب عليه أن يسير في طريقه للوصول إليها دون أية مساعدة بشرية، بل كانت تقوده وتشد أزره نعمة الله وحدها. إن هجرانه للهيئة الإجتماعية على هذا المنوال جرى على كل حال على مراحل متتابعة. فقد كانت المرحلة الأولى مرحلة ناسك يحيا في مزرعة بعيدة عن الدير بضعة فراسخ. ففي ذلك الحين لم يكن القديس سيرافيم قد أهمل كل عمل أرضي بل كان ما يزال يزرع البقول ويعتني بخلايا النحل. لكنه ما عتم أن أهمل هذه الأعمال الزراعية المتواضعة واتخذ له من الأعشاب والحبوب طعاماً. ولم يكن يغفل في كل حال عن العودة إلى الدير يوم الأحد لسماع القداس والإشتراك فيه والمناولة. وكانت مناهج حياته في هذه الحقبة من عمره أشبه ما تكون بمناهج القديس سرجيوس فكانت الوحوش تأتي إليه لتأكل من يده. إلا أنه كان يسعى سعياً حثيثاً لكي يحيا روحياً حياة المسيح الأرضية. وكذلك تحولت كل المنطقة الحرجية التي تحيط بهذا المصلي المعتزل فصارت له((بلاداً مقدسة)). فأصبحت إحدى الزوايا((مدينة الناصرة)) يترنم فيها بتحية الملاك للعذراء: ((السلام لك الخ.)). وكانت عيناه الروحيتان تتأملان إحدى المغاور وتتصوران ولادة المخلص فيها وكان يلذ له تلاوة العظة على الجبل فوق قمة هضبة تحيط بمنسكه. وكان له في أحد جوانب الغابة((جبل ثابور)) و((جتسماني)) و((الجلجلة)) حيث كان يبذل جهده للإشتراك في آلام المسيح.وكان التأمل الحار المستمر في نصوص الإنجيل ترافقه الصلاة مما يساعده على غلبة مرارة الوحدة وغصتها في ليالي الشتاء المظلمة الطويلة الباردة التي كانت تزأر فيها حوله العواصف العاتية تهاجم كوخه بالإضافة إلى الشيطان الذي كان يحارب نفسه وقد جرت له يوماً وهو على هذه الحال حادثة فاجعة ختمت هذا الشطر من حياته النسكية. ذلك أن عصابة من قطاع الطرق هاجموا هذا الناسك القديس وضربوه بالعصي والنبابيث وجرحوه جراحات لم منها كل الشفاء لأنه منذ تلك الساعة بدأ يمشي محدودباً مقوّس الظهر معتمداً على العصا كالشيخ المسن. لكنه ما لبث أن عاد إلى صومعته بعد أن ظهرت له العذراء الطاهرة في رؤيا وطلبت منه أن يستعد للسير في جهادات روحية جديدة.ولما أوقفت الحكومة رجال العصابة التي ضربته وجرحته وعزمت على إيقاع العقاب الصارم بهم رفع صوته وطلب إلى السلطات أن تعفو عنهم وهدد بترك الدير إن هي عاقبتهم: لقد عفا عنهم هو نفسه وإذا كانوا قد أخطئوا فإنه هو الآخر بأنه في مؤخرة سلسلة الخاطئين.كان القديس سيرافيم يشعر بأنه يتوجّب عليه بأن يكافح قرات الشر المستقرة فيه والتي تناضله. وكان من علامات هذا الكفاح سير القديس على منهاج القديسين الأقدمين الذين كانوا يقضون حياتهم على العمود. كذلك فإنه وقف على صخرة في الغابة رافعاً يديه صوب السماء بشكل صليب مردداً بلا انقطاع كلمات العشّار((إرحمني يا رب أنا الخاطىء)) (لو 18 : 12 ). وعلى هذا المنوال قضى ألف ليلة كاملة بلا كلل ولاملل من سنة 1804 حتى سنة 1807. وكان القديس سيرافيم حتى هذا التاريخ يظهر في وقت النهار أمام زائريه ويعلِّم من يأتي إليه منهم طالباً إرشاداته الروحية على أنه منذ السنة 1807 انقطع سيرافيم عن الكلام ولزم الصمت التام حاملاً هذا الصليب الجديد على منكبيه. وأجاب تلاميذه الروحيين الذين أخذوا يتألمون من هذا التصرف: إنه يليق بنا أن نتكلم في سبيل الله لكنه من الأكثر لياقة أن نطهر داخل نفوسنا من أجله. وبقي على هذا الحال صامتاً لا يكلم أحداً مدة ثلاث سنوات حتى سنة 1810. فكان إذا شاهد عابر سبيل في الغابة ينطرح جاثياً على الأرض ووجه يلامس التراب إلى أن يعبر العابر وكان الصمت في اعتقاده الصليب الذي يجب على الإنسان أن يصلب عليه ذاته مع خطاياه وأهوائه.


 
العودة إلى دير

 وفي السنة 1810 صدر إليه من رئيس الدير أمر ناجم عن دسائس بعض الرهبان بالعودة إلى الدير فعاد إليه طائعاً صاغراً. لكن الله لم يأذن له يقطع حبل الصمت ولذلك استأذن رئيسه بأن يعيش داخل الدير عيشة الإنحباس في غرفة ضيقة كان يقضي وقته فيها بالصلاة وتلاوة الأناجيل وكان في كل أسبوع يقرأ العهد الجديد بكامله أما غرفته فكانت حقيرة باردة وقد جعل تابوته في الدهليز التابع لها، وكان يقف إلى جانبه يتأمل طويلاً ولم يكن يستضيء إلا بشعاع نور يضيء في ((زاوية الأيقونات)) أمام صورة والدة الإله المسماة((الأم الحنون)). غير أن حبوراً داخلياً سرياً كان يتغلغل في صدره وتنتشر في الجو الذي يحيا فيه حسبما كان يروي عنه بعد ذلك تلميذه يوحنا تيخونوفتش الذي قال أن الرؤى الروحية الرائعة كانت تتوالى على القديس فكان يتأمل((جمال مساكن الفردوس والقديسين والأنبياء والشهداء والرسل، هذه المساكن التي كانت تشع بالمجد والبهاء التي لا حدّ لهما)). ومن ذلك الحين بات القديس سيرافيم حسبما روى الذين كانوا يقابلونه((شيبه ملاك أرضي أو إنسان سماوي)).ثم خفّت حدة إعتزاله قليلاً منذ السنة 1815. فإنه سمح من ذلك الحين بفتح باب صومعته دون أن يكلم الذين يأتون إليه. وفي السنة1820 شرع يعطي الإرشادات لزائريه ويباركهم. وسنة 1825 خرج نهائياً من انعزاله ليخدم بني الإنسان بعد أن تلقى الأمر من والدة الإله في هذا الشأن.


  الستارتس 

 ههنا يبدأ الشطر الأخير من حياته. وهي حقبة مؤلفة من عدة سنوات كان يعمل فيها عمل الأب الروحي والمرشد للألوف من الرهبان والعلمانيين. وأخذت تظهر حياته التي كانت انقضت حتى ذلك الحين في الخفاء والسر، أخذت تظهر بشكل إعلان عن ((حياة الدهر الآتي)) وتحقيق سابق لها. فكان يستقيل زائريه بتواضع وصدر منشرح داعياً كلاً منهم((يا بهجتي)). وكانت تشتعل عندئذ في غرفته أمام أيقونة والدة الإله مئات من الشموع ممثلة جميع الذين أفضوا إليه بآلامهم وطلبوا منه أن يشفع فيهم. فكان يسكب نفسه كلها لكل واحد منهم ويعطيه الكلمة الخاصة التي تناسبه ولا تناسب غيره. واستطاع أن يجعل كلا منهم يشعر بحقيقية وجود ملكوت السموات والحياة الخالدة فيه.وكان يربطه رباط خاص بدير المتوحدات المعروف بدير((ديفييف)) الذي أوصاه به وطلب منه أن يجعله تحت رعايته رئيس ديره وهو على فراش الموت. فقد رتب ونظم حياة هؤلاء المتوحدات تنظيماً دقيقاً جداً، كما أنه كان يحاورهنّ محاورات روحية طويلة. وقد وهب إحدى المتوحدات((رداءه الملائكي)) وهو الأسكيم الرهباني الكبير الذي يدلّ على أن صاحبه نال أعلى درجات الرهبانية وازدهر الدير في ذلك الحين حتى أن عدد الراهبات فيه تعدى الألف راهبة.ولم يقتصر الأمر في إرشاداته على الإكليريكيين بل تعدّاهم إلى العلمانيين. فكان له بين هؤلاء تلاميذ وأبناء روحيون كثيرون وقد رتّب لهم((قانون)) صلوات يومية وحياة خاصة وكان من بين هؤلاء نقولا موتوفليوف الذي أعطي له أن يشهد عياناً تجلي هذا القديس البار((بنور الروح القدس)).


  رقاده 

 وفي صباح الثاني من كانون الثاني 1833وجد القديس سيرافيم في غرفته وقد فارق هذه الحياة جاثياً على ركبتيه مكباً على الأرض أمام((سيدة الحنان)). وكانت بيده شمعة مضاءة أخذت نارها تلتهم صفحات كتاب الإنجيل المقدس. وقد أعلنت الكنيسة الروسية قداسته في 19 تموز 1903.


   روحانية القديس سيرافيم 

عندما نحلل صورة القديس سيرافيم الروحية التي سبق أن أشرنا إلى بعض خطوطها وتفاصيلها الأساسية يتاح لنا أن نكتشف فيها علامات القداسة الرهبانية الروسية التقليدية مع غيرها من الميزات الجديدة في وقت واحد معاً.ينتمي القديس سيرافيم إلى تلك الفئة من القديسين التي نبغ منها القديس ثيودوسيوس بتشرسكي والقديس سرجيوس رادونيجسكي ونيلوس سورسكي، هذه العشيرة التي تتصل هي نفسها بالتقليد الرهباني القديم وبخاصة تقليد العيشة الرهبانية في فلسطين المرتبط بالحياة التقشفية في جبل سيناء وجبل آثوس وأديرتهما.وقد اقتبس القديس سيرافيم نموذج هذا التقليد بسرعة فائقة مذ كان بعد فتى. فإنه حين كان مبتدئاً كانت القرآات المفضّلة عنده- عدا الإنجيل المقدس- كتاب سِيرْ القديسين الكبير لجامعه دمتري روستفسكي فإنه حين كان يقضي الألف ليلة منتصباً على قدميه يصلي كان يذكرّنا بأنه كان يسير في خطوات القديسين العموديين الذين عاشوا في القرنين الخامس والسادس. وكذلك ففي صميم القرن التاسع تبع القديس سيرافيم القواعد التقشفية التي وضعها الآباء القديسون الأقدمون الذين عاشوا في البراري السورية والمصرية. فإنه حين كان مبتدئاً صار فرّانا. ومما لا ريب فيه أنه تذكّر القديسين ثيودوسيوس بتشرسكي وكيرللس بيلوزرسكي اللذين احترفا الحرفة نفسها. وكذلك فإنه حين كان يتنسّك في الغابة كان يسير في خطوات نسّاك القرن الرابع عشر الروس. أما منهاج صلاته فقد كان متفقاً مع منهاج بخوميوس المصري القديم. لكنه كان في الوقت نفسه يسير في خطوات القديس نيلوس سورسكي في ممارسة((العمل الروحي)) والصلاة القلبية المرفوعة إلى يسوع.وإننا نجد فيه أيضاً جميع مزايا((الشيخ)) الروسي(الستارس) الرائعة: لينه ولطفه ونقاوة قلبه وصفحه عن أعدائه. وبخاصةٍ عطفهُ الذي لا حدّ له على الآلام البشرية كلها. وكانت الرؤى التي يراها تشبه الرؤى التي رآها القديسون الروس الأقدمون: رؤيا والدة الإله، رؤيا سر الافخارستيا، رؤيا الأنوار السماوية وغيرها. لقد اجتمع في خصه صفوة تقوى القديس سرجيوس الشمالية مضافة إلى التقوى الشرقية التي كان أفضل مثال في روسيا القديس نيلوس سورسكي.   على أنه رغماً من هذه الصِلات التي لا حصر لها بالتقليدين اليوناني والقديمين فقد ينبعث من شخص القديس سيرافيم آثار بارزة من الطلاوة والتجديد. فإنه عاش نمط الرهبانية الشرقية القديمة بالزخم الروحي المتوفر لدى مَن تلقى دعوة خاصة خاصة من الله أن يحصل على موهبة الروح القدس. تلك كانت في نظره((غاية الحياة المسيحية)). ((كل)) حياة مسيحية.فإن هذه الرابطة الصوفية ذات العرى القوية التي كانت تشد القديس سيرافيم إلى الأقنوم الإلهي الثالث ((الروح القدس)) تسبغ على شخصه ميزة جديدة نبوية تعلن عن مباهج الدهر الآتي. وبالرغم من السنوات الطوال التي انصرمت عليه في تقشفه واستعطافه لله من أجل العفو عن خطاياه فإن حياة القديس سيرافيم لم يكن فوق مجرى حياته هذه قط صورة إله غضوب يطلب منه إماتاتٍ ودموعاً من أجل تهدئة سخطه بل     صورة((المحبوب)) الذي تتطلب محبته الإلهية من الإنسان أن يبادله محبة إلهية كاملة. فهذه المحبة الكاملة كان القديس سيرافيم يعلّم أن الله وحده هو القادر أن يمنحها بنعمة روحه القدوس. وكذلك فإن إقتناعه الغير المتزعزع بأنه يقدر حين يتوسل إلى الرب يسوع بإيمان أن يحصل في هذه الحياة الدنيا ذاتها على موهبة الروح القدس، إن اقتناعه هذا هو الذي أنشأ فيه وحدة وجوده الروحي.وفي توسله هذا جسداً وروحاً معاً فقال: ((كالحديد بين يدي الحداد كذلك إرادتي بين يدي الله)). ومن أجل إتمام هذا((التوسل لإسم المحبوب)) وتطهير روحه بانتظار حلول نعمة الروح القدس عليه اندفع في صومه أي اندفاع. فكان ذلك الصوّام الصامت صنع مثلما صنعت الأرملة التي ورد ذكرها في الإنجيل، هذه المرأة التي ضايقت الله في الليل وفي النهار بطلباتها المستمرة الممضّة: ((أيها الرب يسوع إرحمني)). ففي فراره من العالم إلى بعيد لم يكن يحمل في صدره بغضةً للناس تبعده عنهم وإنما الذي كان يدفعه إلى هذا الفرار شوقه إلى تطهير قلبه من جميع الإهتمامات العالمية لكي يهيء في داخله مكاناً صالحاً لسكنى الروح القدس فيه.  أن يحيا الإنسان((في الروح القدس)) تلك هي ميزة الحياة في الدهر الآتي. وسر هذه الحياة إنما هو في الصمت. فالكي يشترك الإنسان في هذه الحياة يجب عليه أن يتألم مع المسيح، والصمت في الواقع هو((الصليب الذي يسمّر الإنسان نفسه عليه)). فيصبح الإنسان صورة للعذاب الحاصل((في شركة صليب يسوع المسيح)). هذا مما يجعل في وسعه في الوقت نفسه أن يجمع كل قوى فكره وقلبه وإرادته في هتافه مع الكنيسة المقدسة إلى الروح القدس بقولها((هبنا سلاماً يا الله)). فإن كل روح مطمئنة أي كل روح استطاعت أن تحصل على السلام((يشددها الروح القدس ويقوّيها وينميها في الطهارة مستنيرة بالوحدة الثالوثية في السرّ المقدس)). ولم يكن الألم- في نظره- إلا الشرط الذي يجب أن يحققه ذاك الذي يريد الوصول إلى ابتهاج في الروح السماوي. وهذا هو الذي أوضحه القديس نفسه إلى تلميذه يوحنا تيخونوفتش بقوله: ((لو كنت تعرف السلام العذب الذي تتمتع به أرواح البرار في السماء لكنت تتحمّل مختاراً وبقلب شاكر جميع آلام هذا العالم واضطهاداته وافترآته. فإن لو إحتشدت هذه الصومعة بالدود الأسود القبيح، ولو أن هذا الدود كان يخترق أجسامنا طوال أيام حياتنا على هذه الأرض، لوجب علينا القبول به لكي لا نخسر الفرح السماوي)). وبهذه الروح التي كان ينتظر بها الملكوت السماوي، والتي شابهت رجاء المسيحيين الأولين الأخروي، كان القديس يعلّم الناس((أن يموتوا بفرح)).وقد قال يوماً لإحدى المتوحدات: ((إن الموت هو مسرة لنا)). قال لها هذا وهو يحرضّها لكي تضحّي بحياتها من أجل أخيها.وكما سبق لنا القول فيما تقدم فإن إنتظار الدهر الآتي إنتظاراً بهجاً بثقة ويقين كان يقوّيه في القديس سيرافيم إقتناعُه بأنه يمكن للمسيحي أن يجعل من حياته في هذه الدنيا في الدهر الحاضر حياة بالروح القدس.وقد أظهر القديس سيرافيم لا بكلامه وحسب بحياتِه أيضاً حضور الروح القدس في هذا العالم نفسه، لأنه بات شعلةً حيةً من نار تتوقد ونوراً متوهّجاً برّاقاً ومشعلاً يحمل شارات الروح القدس على الأرض، كما قيل عنه في سجلاّت التواريخ في دير ديفييف. وقد أوضح هو نفسهُ سرّ هذا الإشعاع الروحي فيه بقوله: ((إن الله هو نار تدفىء قلوبنا وأحشاءنا وتلهبها بالمحبة الكاملة. لا محبة الله فقط بل محبة القريب أيضاً)). إن علامات سكنى الروح القدس في القديس سيرافيم وفقاً لما قاله فيهِ مؤرخوه كانت تكمن في الفرح والسلام الفائقي الطبيعة اللذين كانا يشعان منه: ((لقد كان وجههُ يطفح سروراً وضياء كذاك الضياء الذي يشعّ عن الملائكة)). وهو نفسه قال أن علامة فعل النعمة فيه هي ((الحياة المنظمة بالسلام والمعرفة المبتهجة ببهجة الملائكة، ذلك لأن الله يخلق السلام في الذين تمسهم نعمته كلهم أجمعين)). وقد كان يدعو جميع الذين يزورونه: ((يا فرحي))، ويحيّيهم بتحية الفصح البهجة: ((المسيح قام)). ولم يكن يكتفي ببث هذا الحبور بل كان يصبّه في قلوبهم صبّاً. ((لقد كانت روحه تنسكب وتنساب في أرواح المكروبين من البشر ولذلك كانوا يرجعون من لدنه وقد أنعشتهم بهجته وبعثت فيهم روح حياة جديدة وكانت النار الإلهية تلمس كل من يأتي غليه فتلهب المادة البرية فيهم)) (سجلات ديفييف). والمصدر العميق لهذا الفعل الروحي إنما كان حبّه للناس حبّاً لا حدود له، حبّاً كان يظهر له أنه هبة سامية من الروح القدس بالإضافة إلى هبة البهجة والسلام. وقد أوضح هو نفسه طبيعة عطفه الخاص على أبنائه الروحيين بالنصح الذي وجهّه إلى أحد رؤساء الأديار حين حثّه على أن يكون لرهبانه((لا أباً وحسب بل أماً أيضاً)).وهناك علامات أخرى أكثر روعة عن سكنى الروح القدس في القديس سيرافيم، وهي تلك الرؤى التي كان يراها، وحديث الألفة الذي كان يجري له مع والدة الإله والقديسين، وموهبة الشفاء التي أعطيها، وعلمه الخارق بما يداخل نفوس الناس. هذا كله مبعثه حضور الروح القدس فيه حسبما كان يصرح هو نفسه: فإن معرفة الماضي والمستقبل التي أعطيت لهذا القديس العظيم . معرفة ما يجول في صدور محدثيه من الأفكار الباطنية لم يكن ثمرة مجهود عقلي أو تأمل فكري مضن بل كان ناجماً عن معرفة عفوية، ((معرفة فرحة في الروح القد))، حسبما كان يسمّيها. وقد كان القديس سيرافيم يفسر هذه الظاهرة فيه بقوله: (( إن أول فكرة تبرز في ذهني أعتبرها رسالة من الله فكنت أبرزُها دون أن أعرف ماذا كان يجول في ذهن ذاك الذي كان يأتي إليّ)).من بين النعم الغزيرة التي منحها الله لهذا القديس ومن أعجبها لنفوسنا التي احتشدت فيها عوامل الظلام الحالك الناتج عن الخطيئة هي بلا شك تجليه الجسدي بنور الروح القدس، هذا التجلي الذي أُعطي لنقولا موتوفيلوف أن يشهده. إن قداسة القديس سيرافيم إذ تكشف لنا منذ الآن سر تجلي الأنسان والطبيعة بموهبة الروح القدس تبث فينا الشعور باقتراب ملكوت الله. إنها تعلن لنا انبعاث الموات من القبور وقيامتهم والحياة في الدهر الآتي.


 غاية المسيحيّة في رأي القدّيس سيرافيم "الحوار مع موتوفيلوف"

 (( كان يوم الخميس، وكان الطقس قاتماً والأرض مغطاة بطبقة كثيفة من الثلج والثلج لا يزال يتساقط، عندما استقبلني الأب سيرافيم في الغابة على ضفة نهر ساروفكا المحاطة بالتلال، وطلب مني أن اجلس إلى جذع شجرة قطعه من أمد قريب وجلس هو بالقرب مني.بدأ الأب حديثه يقوله: ((إن السيد كشف لي كيف أنك في صغرك كنت تحب بحرارة أن تعرف ما هي غاية الحياة المسيحية، وأنك طرحت هذا السؤال مرات عديدة على آباء عديدين)). والحق أقول أنني منذ عامي الثاني عشر، كنت مشغولاً بهذه القضية وقد طرحت السؤال مراراً دون أن أحظى بجواب مرضي ولم يكن الستارتس يعرف ذلك. وتابع الأب سيرافيم حديثه: ((ولكن أحداً لم يعطك صريحاً. قفد نُصح لك أن تذهب إلى الكنيسة وأن تصلي وأن تتتمم شريعة الله، وأن تعمل الخير اعتقاداً أن في ذلك غاية الحياة المسيحية. وربما أجابك أحدهم مظهر الدهشة: ((لا تبحث عما يسمو عليك إدراكه)). وها أنا الآن خادم الله الحقير، أريد أن أشرح لك ما هي هذه الغاية. إن الصلاة، والصوم، والسهر وسائر الأعمال المسيحية حسنة بذاتها، ولكن غاية الحياة المسيحية ليس في إتمامها، لأنها ليست سوى وسائل. إن غاية الحياة المسيحية الحقيقية هي اقتناء الروح القدس. لاحظ أن أي عمل لا يجلب لنا ثمار الروح القدس إذا لم يُكمَّل لمحبة المسيح. وكل عمل غير قائم على محبة المسيح لا يجلب لنا لا الأجر في الآخرة ولا النعمة في هذه الحياة. وبهذا المعنى قال السيد: ((إن من لا يجمع معي فهو يفرق)).ومهما يكن من أمر، فإن العمل الصالح يظل حسناً فقد جاء في الكتاب المقدس: ((بل في كل أمة الذي يتقيد ويصنع البر مقبول عنده)) ( أعمال 10 : 35 ).وإذ كان قائد المائة كورنيليوس يخاف الله ويصنع البر ظهر له ملاك في الصلاة قائلاً:اذهب إلى عند سمعان بطرس وهو يقول لك كلمات الحياة الأبدية وبهذه الكلمات تخلص أنت وأهل بيتك (أعمال 10 ).إن السيد لم يشأ أن يخسر هذا الرجل الأجر عن أعماله الصالحة في الآخرة فأرسل له معونته الإلهية. ولكن لكي نستحق المعونة يجب أن نبدأ بالإيمان بسيدنا يسوع المسيح إبن الله، الآتي إلى العالم لأجل الخطأة وباقتناء نعمة الروح القدس التي تثبت في قلوبنا مملكة الله وتقود خطانا إلى طريق الغبطة في حياة الدهور الأبدية. إن الخالق يعطينا الوسائل ولكن تحقيقها متروك للإنسان. ولهذا يقول السيد لليهود: ((لو كنتم عمياناً لما كانت لكم خطيئة ولكن الآن تقولون إننا نبصر فخطيئتكم باقية)) (يو 9: 40). ولو أن الإنسان، كما حصل لكورنيليوس، يعرف أن يجعل من عمله عملاً مرضياً لدى الله ويمتلك الإيمان بابنه، فإن عمله يحسب عملاً صالحاً ومكملاً لمحبة المسيح (عبر11 : 6 ). وفي الحالة المضادة، فإن الإنسان يشكو كيف أن أعماله لا تنتج ثماراً. ولكن العمل الجيد المكمل لمحبة المسيح لا يجلب للإنسان إكليل البر في الحياة الآخرة فحسب بل يملأه، في هذه الحياة، بنعمة الروح القدس كما جاء في الإنجيل: ((لأنه ليس بكيل يعطي الله الروح، الآب يحب الإبن وقد دفع كل شيء في يده)) (يو3 : 34 – 35). نعم، يا صديق الرب، إن إقتناء روح الله هو الهدف الحقيقي للحياة المسيحية وما الصلاة والصوم والسهر والصدقة وغيرها من الأعمال الصالحة المكملة لمحبة المسيح غير وسائل. عندئذ سألت الأب سيرافيم:

 -  بأي معنى تتكلم عن إقتناء الروح؟ إنني لا أفهم جيداًفأجابني: الإقنتاء معناه أن تأخذ شيئاً كملكك، هل تفهم، ألا تقول إقتناء المال؟ بالمعنى نفسه نقول: إقتناء الروح القدس.هل تعلم ماذا تعني بالمعنى البشري، كلمة إقتناء؟ إن الهدف للحياة عند الإنسان العادي هو إقتناء المال أو نوال الألقاب أو المكافآت. والروح القدس رأسمال أبدي مقدس ويمكن استملاكه بالوسائل كما يستملك المال بالوسائل. إن كلمة الله، سيدنا يسوع المسيح الإله والإنسان، يشبه حياتنا بسوق، وأعمال حياتنا على الأرض يدعوها ((شراء)) فهو يقول للجميع: ((اشتروا إلى أن آتي مفتدين الوقت فن الأيام شريرة)) (لو9 : 12 – 13 ). وهذا يعني: اكنزوا وقتكم لتقبلوا الإله السماوي، بواسطة هذه((البضاعة الأرضية)). إن البضاعة الأرضية، هي الأعمال الجيدة المكملة لمحبة المسيح والتي تهيء لنا نعمة الروح الكلي قدسه الذي بدونه لا خلاص لإنسان...... ((لأن كل نفس تحيا بالروح القدس، وتنقى مرتفعة ولامعة بالثالوث الواحد بحال شريفة سرية)).عن الروح القدس نفسه، الكلي القدرة والثالوث الواحد يسكن في نفوسنا. ونجن لا نكون أهلاً لسكنى الروح إلا إذا كنا نعرف أن نقتني الروح القدس الذي يهيء من قبل في نفوسنا وفي أجسادنا هيكلاً لله الخالق حسب القول الماثور: ((واسكن فيهم، وأكون لهم إلهاً ويكونون لي شعباً)) (رؤ3 : 20 ، لو14 : 23 ).... إن كل عمل مكمل لمحبة المسيح يعطي نعمة الروح القدس، فالصلاة تعطيها بسهولة لأنها الآلهة التي يسهل استعمالها في كل آن. قد تود أن تذهب إلى الكنيسة، ولكن ليس هناك من كنيسة، أو أن خدمة الصلاة قد انتهت، وقد تود أن تساعد فقيراً ولكن طريقك، وقد تود أن تظل طاهرة ولكن بالنظر لضعفك أمام مكايد العدو لم تستطع، ولكن الصلاة تصلح في كل آن، وكل إنسان يستطيع أن يقوم بها، الغني والفقير، الصحيح والعليل، الصالح والخاطىء... إن قوة الصلاة عظيمة وهي تعطي نعمة الروح القدس أكثر من كل شيء ... بواسطة الصلاة، نستطيع أن نخاطب الرب الصالح والمحيي. ولكن يجب وقف الصلاة في حالة إقتناء نعمة الروح القدس. فأي معنى لهذا الكلام: ((هلم واسكن فينا وطهرنا من كل دنس وخلص أيها الصالح نفوسنا)) إذا كان هذا المعزي قد نزل فينا ليخلصنا، نحن الذين سلمنا أنفسنا له ولفظنا أسمه القدوس كي نقتنيه بكل تواضع ومحبة في هياكل نفوسنا الجائعة والمعطشة لمجيئه...

- ولكن لِمَ لا تحدثني عن الأعمال الأخرى المكمَلة لمحبة المسيح، غير الصلاة؟ 

- جرّب أن تمتلك نعمة الروح القدس بالأعمال الصالحة كافة وعلى الأخص بالتي تهبك نعمة أكثر... ...

- بأية طريقة، استطيع أن أعرف أنني في حالة نعمة الروح القدس؟

 - هذا سهل جداً يا صديق الرب! ألَمْ يقل السيد: ((كل شيء سهل لمن عنده الذكاء)) والرسل، وقد كانوا أذكياء كانوا يعملون دائماً إذا كان روح الله فيهم أو لا. وعندما كانوا يرون الروح، كانوا يؤكدون أن أعمالهم صالحة ومقبولة لدى الله. وهذا يفسر ما كانوا يكتبونه في أعمالهم: ((لأنه ظهر حسناً للروح القدس ولنا)). استناداً إلى هذه الحقيقة الأساسية، فرضوا((أعمالهم)) كأساسية لكل المؤمنين. إن الرسل القديسين كانوا يعرفون بطريقة حسيّة وجود روح الله. ألا ترى، ياصديق الرب، كم هذا سهل؟

 -ولكنني لا أفهم جيداً كيف أكون تماماً مشمولاً بالروح القدس وكيف استطيع أن أكون الشاهد على ذلك؟

- لقد قلت لك أن ذلك سهل جداً وحدثتك كيف يكون الرجال في حالة نعمة الروح القدس، ماذا يلزمك بعد؟ ثم طوقني الأب سيرافيم بذراعه وقال لي:

 - يا صديقي، نحن الإثنين في حالة النعمة أنت وأنا، ألا تنظر إليّ؟

 -لا أستطيع أن انظر إليك، يا أبتِ لأن وجهك أصبح أكثر ضياء من الشمس فأعمى عيينيّ الإثنتن 

-لا تخف، يا صديقي الرب، لأنك أنت أيضا، أصبحت مضيئاً مثلي.أنت أيضاً في حالة نعمة الروح القدس وإلا يستحيل أن تراني. ثم انجذب نحوي وكلمني في أذني بهدوء: ((أشكر الرب السيد على حنوه الذي لا يوصف نحوك. لقد لاحظت ولاشك أنني لم أرسم علامة الصليب، فقد اكتفيت بأن أقول في داخلي: ((أيها السيد، اجعله مستحقاً أن يرى بوضوح وبعينيه الجسديتين حلول روح قدسك على عبيدك الذي تجعلهم مستحقين عندما تتنازل وتظهر في مجدك)).وهكذا، يا صديقي، قبل السيد سريعاً صلاة سيرافيم غير المستحق الحقيرة. كيف لا نشكره على عطائه الذي لا يوصف لأن الرب قليلاً ما يعطي ويهب الحنو حتى لأكبر النساك. إن هذه النعمة الإلهية قد عزت فؤادك المكسر كما تعزي الأم أولادها، بواسطة أم السيد نفسه والآن، يا صديقي، لِمً لا تنظر إليّ، لا تخف، إن السيد معك.فنظرت إليه على الأثر فأخذتني قشعريرة وورع عظيم. وليتصور القارىء المشهد: في صميم الشمس، وفي ظل خطوطها البرّاقة كان رجل يتكلم معي. كنت أرى حركات عينيه وأسمع صوته وأحس أن يده تغمرني ولكني لم أركن تلك اليد ولا ذلك الوجه بل نوراً يعمي الأبصار يحيط بالموقع. وسألني الأب سيرافيم:

 - ((بماذا تحس الآن؟

 -أشعر أني في غبطة عظيمة!

- كيف، وما هو شعورك تماماً؟

 - أحس أنم في نفسي هدوءاً وسلاماً لا أستطيع أن أصفهما. 

-  إن هذا السلام هو الذي قال السيد عنه: (( خذوا سلامي، أنا لا أعطيكم كما يعطيكم العالم، لو كنتم من العالم، لكان العالم يجب خاصته، ولكني اخترتكم من العالم، لأجل هذا يبغضكم العالم. ولكن خذوا قوة، فإني غلبت العالم)) (يو14 : 27، 15: 19 و 33 ). إن السيد يعطي السلام الذي تشعر به الآن لجميع الذين يكرههم العالم، الذين اصطفاهم هو... - وماذا تشعر أيضاً؟ 

- إني أشعر بعذوبة لا توصف!فتابع الأب سيرافيم كلامه قائلاً: إن هذه العذوبة هي التي جاء عنها في التقليد الشريف: ((من فيض عذوبتك ستعطيهم كي يشربوا)) (مز 36 : 9).هذه العذوبة تملأ عروقنا لذة لا توصف وتذيب أفئدتنا وتغمرنا بغبطة يعجز كل لسان في العالم عن وصفها...

 - اشعر بفرح فائق الوصف يملأ قلبي! فتابع الأب سيرافيم وقال:

 - عندما يحل روح الله في نفس تحس بفرح عظيم لأنه يبهج كل ما يلمسه وهذا الفرح شبيه بالفرح الذي يتكلم عنه في الإنجيل: ((المرأة حين تلد تحزن لأن ساعتها قد أتت لكنها متى ولدت الطفل لا تعود تتذكر شدتها من أجل الفرح لأنه قد ولد إنسان في العالم))يو 16: 21 ). ولكن هذ1ا الفرح الذي تحسّه في قلبك ليس شيئاً بالنسبة للفرح الذي تكلم عنه يسوع بفم تلميذه: ((إنها أشياء لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر على بال بشر أعدها لله للذين يحبونه)) (1 كور2 : 9).إن أول الفرح قد أعطي وإذا كان بواسطة هذا الفرح كل شيء يبدو مفرحاً ولذيذاً لنفوسنا، فماذا تقول إذاً عن الفرح نفسه المعد في السماء للذين يبكون على الأرض؟ يا صديقي لقد بكيت كثيراً في هذه الحياة فتأمل الآن التعزية التي يعطيك إياها المسيح إبتداء من هنا... ماذا تشعر أيضاً يا صديق الرب؟

 -  أشعر بحرارة لا توصف! - كيف يا صديقي! نحن الآن في غابة وفي فصل الشتاء وتحت أرجلنا الثلج وفوق رؤسنا تتساقط قطع الثلج، فكيف تشعر بالحرارة وما هي هذه الحرارة؟ -هي نفس الحرارة التي أشعر بها في فصل الصيف وفي صميم الشمس!

 -  وماذا تشعر أيضاً؟

 - ليس على الأرض شيء أكثر عطراً وأذكى رائحة من العطر الذي أشمّه وليس على الأرض زهرة تعطي مثل هذه الرائحة.  فتابع الأب سيرافيم كلامه بهدوء: أنا أعلم هذا، وقد سلت، عن قصد، بماذا كنت تشعر، نعم أن ما تقوله، يا صديق الرب صحيح! ليس على الأرض رائحة أذكى من التي تفوح حولنا لأن هذه هي من الروح القدس وهل على الأرض ما يشبه هذه؟ لقد قلت لي أنك تحس بحرارة عظيمة، إن هذه الحرارة ليست في الهواء ولكن فينا، عن هذه الحرارة هي التي نطلبها بضعة من السيد في صلواتنا: ((إحمني بحرارة روح قدسك)). وهكذا لا يخاف النساك والمتعبدون برد الشتاء لأنهم متسلحون بهذه الحرارة، بلباس مقدس، منسوج من الروح القدس. يجب أن تظل نعمة الروح فينا لأن السيد قال ((إن ملكوت الله في داخلكم)) وقد عنى السيد بهذه الكلمات نعمة الروح القدس: إن ملكوت الله هذا موجود الآن فيكم. ونعمة الروح القدس هي التي تنيرنا وتدفئنا وتملاء الهواء الذي يحيط بنا وتملاء قلبنا بفرح عظيم لا يوصف. إن الحالة التي نحن فيها هي التي قال عنها الرسول: ((ليس ملكوت الله طعاماً أو شراباً بل عدل وسلام وفرح بالروح القدس)) (رو14 : 17 ). إن إيماننا لا يستند إلى الأراء الحكيمة المقنعة بل برهان الروح وقوته.نحن من هؤلاء الذين فال فيهم السيد: ((الحق أقول لكم، إن قوماً من الذين يعيشون لا يرون الموت حتى يعاينوا ملكوت الله آتياً بقوة)) (مر9 : 1). هذا هو الفرح العظيم الذي جعلنا أهلاً له هذا ما يقال عنه العيش في غمرة الروح القدس الذي كتب عنه القديس مكاريوس المصري: ((لقد كنت أنا في صميم نعمة الروح القدس)). وأعتقد الآن أنك لست بحاجة بعد لكي تسأل كيف يكون الناس في نعمة الروح القدس... هل تتذكر دائماً ظهور رحمة الله التي لا تحد؟  لست أدري، إذا كان السيد يجعلني أهلاً لأن أتذكرها بمثل هذا الوضوح في هذا الحياة! فأجاب الأب سيرافيم: ((أعتقد أن السيد يساعدنا لأن نحفظ هذه الأشياء دائماً في قلوبنا وإلا تعطف سريعاً لصلواتي الحقيرة واستجاب لعبده غير المستحق. عدا أن هذه الأشياء ليست معدة لك وحدك لكي تفهمها بل للعالم كله بواسطتك لكي تكون راسخاً في عمل الرب لمنفعة كثيرين. وأما كونك علمانياً وكوني إكليريكياً فلا تهتم بهذا. إن الله يصر أن نكون مؤمنين به وإبنه الوحيد إيماناً لا يتزعزع. ولهذا تُعطي نعمة الروح القدس بغزارة من فوق. إن السيد يفتش عن قلوب ملؤها محبة الله والقريب وهذا هو العرش الذي يحب أن يجلس عليه ويظهر بقوة عظمته الإلهية. ((يا بني، أعطني قلبك، وأنا أعطيك كل شيء آخر))، لأن في قلب الإنسان ملكوت الله... ((إن الأزلي بقرب الذين يطلبونه لأن أمامه ليس محاباة بالوجوه. الله يحب الإبن وأعطي الإبن كل شيء في يده))، بشرط أن نحب الآب السماوي كأبناء إن السيد يسمع صلوات العلماني البسيط كما يسمع صلوات الراهب إذا كان عندهما إيمان قويم وإذا كانا يحبان الله بكل نفسيهما لأنه((إذا كان لكم إيمان قدر حبة خردل لقلتم لذا الجبل انتقل من هنا واهبط في البحر فينتقل)) (مر4 : 30- 32 ، 11 : 23 ).قال يسوع: ((ليس شيء مستحيلاً عند المؤمن)). وقد خطب الرسول بولس في وسط جمع غفير: ((أنا أقوى على كل شيء لأن المسيح يقويني)) (فيليبي4 : 13 ). اسمع ما اغرب ما يقوله المسيح في الذين يؤمنون به: ((إن من يؤمن بي يجب أن يعمل الأعمال التي أنا أعملها ويعمل أعظم منها لأني ماضٍ إلى أبي، فكل ما تسألون الآب باسمي فأنا أفعله ليتمجد الآب في الإبن)) (يو14: 12 – 14 ). إن كل ما تطلبه من السيد يعطي لك بشرط أن يكون هدفك مجد الله أو خير القريب لأن ما ينفع القريب هو لمجد الله وبهذا المعنى قال: ((إنكم كلما فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه)) (متى10: 40 ). فإذا كانت صلواتك إذاً لتمجيد الله ولمنفعة القريب فإنها تُستجاب بدون ريب. وإذا وجدت نفسك وهو يستجيب لك لأن السيد يحب الذين يحبونه وهو يرحم الجميع، وهو يحقق مطالب خائفية ويسمع طلباتهم... 


  شهادة يوحنا تيشينوف

 هذا وقد قدر لإنسان آخر أن يكون شاهداً لوجود الروح القدس بواسطة الأب سيرافيم وهذا الشاهد هو يوحنا تيشينوف وقد روى كيف عاش في جو من الغبطة بالكلمات الآتية:((قال الأب سيرافيم: - بينما كنت اقرأ في احد الأيام في إنجيل يوحنا كلمات المخلص: ((إن في بيت أبي منازل كثيرة)) أخذني شوق عظيم لرؤية هذه المنازل السماوية. فقضيت خمسة أيام بلياليها وأنا أصلي دون نوم طالباً من السيد النعمة والرؤيا. وقد تحنن السيد برحمته العزيزة عزّاني وأراني منازله السماوية حيث شاهدت ضياء أبهى من الشمس، أنا السائح الأرضي الفقير في دقيقة من الغيبة عن حواسي(بالجسد أو خارج الجسد لست أعلم الله يعلم)، جمالاً سماوياً لا يوصف فشاهدت السابق الأول القدير يوحنا المعمدان، والقديس يوحنا والرسل، والقديسين والشهداء وأباءنا الطوباويين أنطونيوس الكبير وسابا وانفوريوس وغيرهم وكانوا مشرقين في عظمة فائقة الوصف (( لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر على بال بشر، ولكن أعدّها الله للذين يحبونه)).  صمت الأب سيرافيم، ثم انحنى قليلاً وأغمض عينيه ووضع يده اليمنى على صدره فأخذ وجهه يتغير شيئاً فشيئاً ويشرق بنور عظيم حتى أصبح من الصعب جداً النظر إليه وكأن وجهه وهيئته ممثلتين بفرح سماوي ونشوة سماوية كأنه ملاك أرضي أو إنسان سماوي. وطوال الوقت الذي دام سكونه ظهر أنه يخاطب أحداً بنعومة ويسمه كلاماً بشوق والله وحده يعلم حقيقة ذلك وأما أنا، فبرغم من قلة استحقاقي سعدت برؤية الأب سيرافيم في هذه الحالة المقدسة ونسيت جسدي وشملت نفسي نشوة لا توصف والآن، كلما خطر ببالي ذلك أحس بعذوبة فائقة. وبعد صمت قصير، تنهد الأب سيرافيم تنهداً عميقا ممتلئاً من الفرح وقال لي: آه لو تعلم ما أعظم الفرح وما أفخم العذوبة التي تنتظر نفس المستحق في السماء يجب أن تتحمل في هذه الدنيا الفانية كل تجربة وكل اضطهاد وكل نميمة. وإذا حلّت بنا المصائب ونزل بنا الدود فعلينا أن نتحمل بكل قوانا لكي لا نحرم الفرح السماوي الذي أعدّه الله للذين يحبونه. ففي منزله لا مرض، ولا وجع، ولا حزن ولكن فرح وعذوبة فائقتان وقديسون يتلألأون كالشمس. فأي لسان يستطيع أن يصف هذه العظيمة السماوية وجمال وطن الأبرار وغبطته بعد أن عجز بولس عن ذلك؟ ((أفرح بجسدك المائت بفرح الفردوس الذي ذقته)).


 بشفاعة قديسك سيرافيم ساروفسكي أيها الرب يسوع المسيح إلهنا ارحمنا وخلّصنا. آمين 

 

الخدمة الأرثوذكسية الألكترونية

تعلم الموسيقا البيزنطية

أعمال الدكتور دانيال عيوش

التفسير التطبيقي للكتاب المقدس
الكتاب المقدس بكل اللغات
الأسفار القانونية الثانية للكتاب المقدس

رعاة لا يُغيّبهم الموت

 المثلث الرحمات المطران بولس   متروبوليت قربان
البطريرك الياس الرابع

Al Orthodoxiya

radioalbishara

Ancient Faith

.....................................................................................

نلفزيون المنارة الأرثوذكسي

 تلفزيون البشارة الأرثوذكسي على الإنترنت

مكتبة البشارة بانياس سوريا

بطاقات معايدة أرثوذكسية

موقع المحبة الأرثوذكسي