Skip to content

التراث الارثوذكسي
معهد القديس يوحنا الدمشقي - البلمند
حركة الشبيبة الأرثوذكسية
انت فيالرئيسية
المزامير في التقليد الأرثوذكسي

(جزء من تقرير المطران هيلاريون ألفييف في جامعة فرايبورغ بتاريخ 25/3/2011)

 ترجمة يوليا بيتروفا 

إن المزامير من أهمّ الأسفار في الكتاب المقدس. وقد تبنّت كل الكنائس في أوروبا بما فيها الكنيسة الأرثوذكسية الروسية اسم "Psalter" مع بعض الفروقات الصوتية الطفيفة. والاسم الأصلي لهذا السفر هو "Sepher Tehillim" ومعناه بالعبرية القديمة "كتاب التسابيح". أما اسم "Psalter" الذي استُعمِل على نطاق واسع فنجده لأول مرة عند فيلون الإسكندري، وتدلّ هذه الكلمة في التقليد اليوناني على آلة موسيقية وترية بمثابة قيثارة صغيرة. وترد نفس التسمية في المخطوط الإسكندري للكتاب المقدس (القرن الخامس). وكذلك يحتوي المخطوط الفاتيكاني للكتاب المقدس (القرن الرابع) هذا السفر تحت عنوان "psalms". كلمة "psalm" يونانية الأصل وهي مشتقة من فعل "psallw" أي "أرنّم" أو "أعزف على الأوتار". أما الاسم الأصلي لهذا السفر "Sepher Tehillim" فيعود إلى الجذر الذي يدلّ على التسبيح، وهذه التسمية أقرب إلى ما يحتويه هذا السفر.

سفر التسابيح أو "Psalter" يدخل في الجزء الثالث من الكتاب المقدس اليهودي القديم "كيتوفيم" (والجزءان الآخران هما التوراة وكتب الأنبياء). وقد نال سفر المزامير في زمن العهد القديم احتراماً كبيراً جداً. وتدلّ كلمات السيد المسيح في إنجيل لوقا على أن عنوان هذا السفر كان يُطلق على كامل الجزء الثالث من الكتاب المقدس، حيث يقول الرب: "لا بد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير" (لو 24: 44).

كان سفر التسابيح في تقليد العهد القديم يقسّم إلى خمسة أجزاء، أما في تقليد الكنيسة الأرثوذكسية فهو مقسّم إلى عشرين جزءاً أو "Kathisma".

ومن حيث المضمون تقسم المزامير إلى: التسبيحية والشكرية والتضرعية والتعليمية والنبوية عن المسيا.أسماء مؤلّفي المزامير معروفة جزئياً وهي واردة في عناوين بعض المزامير وهم موسى وداود وسليمان وأيثان وهيمان وغيرهم. وبما أنّ حوالي نصف المزامير (72) تعود إلى النبي داود فقد جرت العادة أن يطلق على السفر كله مزامير داود النبي.

إن الميزة الفريدة لسفر المزامير تكمن في أنه يشمل الخبرة الروحية العظيمة التي اكتسبها شعب الله على مدى قرون كثيرة وهو عبارة عن مجموعة غنية من الأفكار السامية وتعبير عن المشاعر التقوية وتطلعات أفضل أبناء هذا الشعب وملوكه وأنبيائه ومعلّميه. يعبّر مؤلفو المزامير عن محبتهم لله ويمجّدونه لرعايته الدائمة لشعبه ويتضرعون إليه طالبين معونته ويتأملون في الإنسان وتاريخ العالم المخلوق من قبل الله. وبالتالي نجد كل الأبعاد المتعلقة بالتفكير في الإلهيات على صفحات سفر المزامير بوضوح، كما أن التعابير الواردة فيه تعتبر بديهية بالنسبة لكل مجالات علم اللاهوت.

إذاً، يمكننا التأكيد بلا أدنى شك على أن المزامير تحظى بهيبة فائقة في كنيستي العهد القديم والعهد الجديد على حد سواء.

وكذلك كان السيد المسيح نفسه يصلي بكلمات المزامير ويسردها كثيراً، كما أن الرسل كانوا يرجعون بالدرجة الأولى إلى مصدر الحكمة والقداسة هذا.

فعلى سبيل المثال، يؤكد بولس الرسول في رسائله على ضرورة التعلّم من المزامير: " وأنتم بكل حكمة معلّمون ومنذرون بعضكم بعضاً بمزامير" (كو 3: 16). ومنذ عهد الكنيسة الأولى اكتسب ترنيم المزامير المشترك أهمية خاصة، وكانت المزامير تستخدم كثيراً في الصلاة في القرون المسيحية الأولى تقليداً للسيد المسيح والرسل (أف 5: 19؛ كو 3: 16؛ 1كو 14: 26).

إلا أنّ الأهمية الرئيسية لسفر المزامير تتلخص في أنها كتاب صلاة بالدرجة الأولى، وتنتقل خبرة الصلاة إلى المؤمن من خلال هذا الكتاب مباشرة دون أن يتدخل العقل البشري في طهارتها وحيويتها.

إن جو الصلاة هو ما يجمع بين كل المزامير التي تدخل في هذا السفر، فمن هذه الناحية ليس مهماً من هو المؤلف لأن المزامير تشكل صلاة واحدة مستمرة من شعب الله إلى خالقه. فكل عبارة في هذا السفر العظيم تنسجم مع الكتاب المقدس كله، ومن المستحيل تخيّل كلام الله بدون كتاب التسابيح الموحى من الله.

وأكثر من ذلك، فإن نوعية صلوات مؤلفي المزامير تجعلها في مكانة خاصة من بين كل الصلوات، فإنهم يتضرعون إلى الله في كثير من الأحيان بدالّة وبكلمات قوية وإنكار الذات والاستعداد "لمجاوبة كل من يسألهم عن سبب رجائهم" (بطرس الأولى3: 15). ما أطهر هذا القلب الذي ينادي الله بلا خوف: " يا رب إلهي إن كنت قد فعلت هذا إن وجد ظلم في يديّ، إن كافأت مسالمي شراً وسلبت مضايقي بلا سبب فليطارد عدو نفسي وليدركها وليدس إلى الأرض حياتي وليحط الى التراب مجدي" (مز 7: 6-3). أو " لأني حفظت طرق الرب ولم أعصَ إلهي. لأن جميع أحكامه أمامي وفرائضه لم أبعدها عن نفسي. وأكون كاملاً معه وأتحفظ من إثمي. " (17: 22-24). إن كلام المرنمين هذا يعبّرعن قربهم كأبناء من الله الذي هو بالنسبة لهم "حصن" و"ثبات" و"مخلص" و"معين" و"ترس" و"قرن خلاص" و"صخرة". فينادون الله بمحبة بنوية "راعياً" يربض شعبه في مراعٍ خضر ويربيه في مياه الراحة (مز 22: 2-1)،  ويطلقون على أنفسهم "غنم مرعاه" (99: 3).

إذا نظرنا إلى سفر المزامير من هذه الناحية بصفته كتاب صلوات وليس مؤلفاً لاهوتياً فلا بد من التعمق في ميزاته الأدبية ووسائله التعبيرية. وأول ما نواجهه عند التحليل الأدبي لسفر المزامير هو صفته الشعرية البارزة. إن المؤلفات التشريعية والكتب التاريخية تتطلب من القارئ جهوداً فكرية كبيرة، أما الكلمات المعبّر عنها بلغة الشعر فتتوجه إلى قلب الإنسان مباشرة. إنها ميزة الشعر أن تنقل المعنى بين السطور خارج المنطق المعتاد لقوانين التواصل، وهذه هي لغة المزامير. ولذلك فإن المزامير تتميز بصفة شعرية وموسيقية أكثر من أي سفر آخر في الكتاب المقدس.

ولإدراك المعنى الحقيقي لكل مزمور يجب معرفة وسائل التعبير الشعرية والموسيقية.

لا يمكن فهم بعض المزامير دون مراعاة تركيبتها وإيقاعها الداخلي، فقانون الإيقاع هو من القوانين الرئيسية لكل خليقة الله ابتداء من الشمس والكواكب وانتهاء بقلب الإنسان.

يمكن التعبير عن الإيقاع الداخلي لمؤلّف ما بمساعدة وسائل شعرية مختلفة كتكرار وترجيع الخ. ليس هذا التكرار ميكانيكياً بل يعبّر عن استمرار الفكرة الرئيسية ويعطي تنوّع الوسائل الجديدة الغنية.

عند دراسة المزامير كمؤلفات شعرية لا بد من مراعاة رمزية اللغة وتعابيرها المجازية التي يتميز بها الشعر. ومن أهم أمثلة الرموز التي نجدها في المزامير يمكن ذكر الآتي:

الطريق: وهو من أهم الرموز في المزامير ابتداء من المزمور الاول (طريق الأبرار وطريق الأشرار).

القلب: وهو أهم رمز ليس في المزامير فحسب، بل في الكتاب المقدس كله. ويرمز القلب إلى أعمق جوهر للإنسان وأهم صفات شخصيته. ويملك مفهوم القلب نفس المعاني في الثقافة الحديثة، لذلك يمكن القول إن رمزية القلب هي من أصول الوعي البشري.

ومن ميزات الرموز في المزامير نجد أن بعض أعضاء جسم الإنسان لها حياة مستقلّة، فعلى سبيل المثال يرشد الرب في طريقه رجليْ مرنّم المزامير ولا يدع قدم البارّ تزلّ. يهتف مرنم المزامير: "جميع عظامي تقول يا رب من مثلك" (مز 34: 10) ويتضرع إلى الله: " صفّ كليتيّ وقلبي" (25: 2).

والنوع الثاني من المجاز الذي كثيراً ما نجده في المزامير هو تشبّه المشاعر وحالات الروح ببعض عناصر الملابس، فعلى سبيل المثال يلبس الرب القدرة ويتزّر بها، ويلبس أعداء الرب اللعنة أو العار، أما الأبرار فيُلبسهم الرب الفرح. وبالتالي رمزية الزنار لها أهمية كبيرة (نظراً لأن السيف كان يُحمل على الزنار في العصور القديمة).

كما نجد في المزامير رموزاً مثل الحجر أو الصخرة وهي تدلّ على الثبات والأمان، أما المستنقع فيرمز إلى الخطر وعدم الاستقرار. وكذلك من أهمّ الرموز في الكتاب المقدس هو الماء، فتحتوي هذه الكلمة على دلائل عديدة ومتنوعة بناء على سياق الكلام، فمثلاً المياه التي غمرت روح مرنّم المزامير ترمز إلى اليأس والشعور باقتراب الموت.

ومن ناحية أخرى، رغم أن المزامير تتميز بصفات أدبية وموسيقية فريدة، ينبغي أن نتذكر أن هذا السفر هو مصدر الحقائق اللاهوتية لكل العصور. ولكن لاهوت سفر المزامير ليس مصدره العقل الرزين وإنما يأتي من القلب المؤمن الحار. وهذه الصفة هي التي تحدد نوع لاهوت سفر المزامير برمزيته البارزة. ومع ذلك فإن المزامير تحتوي على معظم المواضيع الهامة المتعلقة بمعرفة الله، ولذلك قد جرت العادة أن يطلق على هذا السفر "الكتاب المقدس الصغير"، لأنه يتحدث عن خلق العالم والخير والشر والخطيئة والفضيلة، وتتناول كثير من المزامير وصف صفات الله وجبروته وقداسته وحكمته ومحبته وعدله ورحمته.

وتحتلّ عبادة اسم الله الحي مكانة الصدارة في المزامير حيث يقال إن اسم الله هو عظيم ومجيد وقدوس ومُهاب وهو موضع المحبة والتسبيح والتمجيد والهيبة والرجاء والخوف. ومن بين الآيات الأكثر تعبيراً التي تذكر اسم الله هي:

1.                       أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض (مز 8: 2)؛

2.                       عظموا الرب معي ولنعلّ اسمه معاً (33: 4)؛

3.                       اللهم باسمك خلّصني (53: 3)؛

4.                       الله معروف في يهوذا اسمه عظيم في إسرائيل. (75: 2)؛

5.                       أعنّا يا إله خلاصنا من أجل مجد اسمك (78: 9)؛

6.                       كل الأمم الذين صنعتهم يأتون ويسجدون أمامك يا رب ويمجدون اسمك (85: 9)؛

7.                       رنموا للرب باركوا اسمه (95: 2)؛

8.                       قدّوس ومهوب اسمه. (110: 9)؛

9.                       يا رب اسمك الى الدهر (134: 13)؛

10.                  أرفعك يا إلهي الملك وأبارك اسمك الى الدهر والأبد. (144: 1).

 

علماً بأن المزامير تشغل الحيّز الرئيسي في الصلوات الكنسية الأرثوذكسية وحتى الأناشيد والصلوات المسيحية قد تغذت من تعابير المزامير ورموزها فلا غرابة في أن عبادة اسم الله الحي في العهد القديم دخلت بكاملها في الخدمة الكنسية الأرثوذكسية وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منها. مثلاً ترد التعابير مثل "اسم الله" و"اسم الرب" في النصوص الليتورجية دائماً، وفي كثير من الحالات يُعتبر اسم الله مرادفاً لكلمة "الله" والسجود لاسم الله يُقصد به السجود لله ذاته.

إن المسيحية تنظر إلى العهد القديم من خلال إعلانات العهد الجديد عن المسيح، وبناء على ذلك نجد أن كثيراً من التعابير التي كانت تقال في التقليد اليهودي عن شعب الله أو النبي داود أو المسيا المنتظر أصبحت تُفسّر في المسيحية على أنها نبؤءات عن المسيح. على سبيل المثال عبارات "قم يا رب" و"انهض يا رب" تُفهم في التقليد الكنسي على أنها عن قيامة المسيح. والكلام عن "السبي" يُفهم على أنه عبودية الخطيئة، وأسماء الشعوب المعادية لشعب إسرائيل في العهد القديم هي كناية عن الاعداء الروحيين و"إسرائيل" تعني شعب الكنيسة، والنداء لضرب الأعداء يرمز إلى مقاومة الأهواء، والخروج من مصر والعودة من سبي بابل يرمز إلى خلاصنا في المسيح.

بحسب تقديرات العلماء يحتوي العهد القديم على أكثر من 450 نبوءة عن المسيح، ومنها ما لا يقلّ عن 100 نبوءة موجودة في المزامير. وتعتبر المزامير التي يُذكر فيها "ابن الله" هي مزامير مسيانية (كالمزمور 109). وفي بعض المزامير يوجد تعبير"ملك" و"مسيح الله" ويعطي التقليد المسيحي تفسيراً مسيانياً واضحاً لهذه التعابير (المزمور 2).

أما المزمور 21 فيُفهم منه في التقليد الكنسي أنه يتحدث عن آلام المسيح على الصليب. كما أن المزامير الكثيرة الأخرى تحتوي على نبوءات عن مجيء المسيا. على سبيل المثال يرمز المزمور 15 إلى موت ودفن المسيح وقيامته في اليوم الثالث، والجزء الأول (آيات 2-9) من المزمور 44 يرمز إلى المسيح والجزء الثاني منه (آيات 10-16) إلى والدة الإله. وتُفسّر بعض آيات المزمورين 68 و117 كصورة عن آلام المسيح. ويتحدث المزمور 71 عن قضاء المسيح العادل، أما المزمور 108 فيتكلم عن يهوذا الخائن. ويُفهم من آيات كثيرة من المزمور 118 في التقليد المسيحي على أنها قيلت بفم المسيح.

يتميز المزمور 109 بأهمية خاصة لأنه يحتوي على المفاهيم الأساسية للخريستولوجيا: "قال الرب لربي: اجلس عن يميني"، "أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق".يوصف المسيح في المزامير كملك (مز 2/ 19/ 20/ 23/ 71/ 109) وكحمل الذبيحة (مز 21) وكراعٍ صالح (مز 22) وصخرة الخلاص (مز 26/ 39). وبالتالي تنظر الكنيسة إلى كتاب المزامير كمجموعة من صلوات المسيح نفسه وذلك لاحتوائه على الخريستولوجيا العميقة والحية.

--------------------

ملاحظة: أرقام المزامير مطابقة للترجمة السبعينية 

 

الخدمة الأرثوذكسية الألكترونية

تعلم الموسيقا البيزنطية

أعمال الدكتور دانيال عيوش

التفسير التطبيقي للكتاب المقدس
الكتاب المقدس بكل اللغات
الأسفار القانونية الثانية للكتاب المقدس

رعاة لا يُغيّبهم الموت

 المثلث الرحمات المطران بولس   متروبوليت قربان
البطريرك الياس الرابع

Al Orthodoxiya

radioalbishara

Ancient Faith

.....................................................................................

نلفزيون المنارة الأرثوذكسي

 تلفزيون البشارة الأرثوذكسي على الإنترنت

مكتبة البشارة بانياس سوريا

بطاقات معايدة أرثوذكسية

موقع المحبة الأرثوذكسي