المطران قربان رجل سلام
نجيب اسكندر
لو كنت بطريركاً او مجمعاً مقدساً ارثوذكسيا لبحثت عن كاهن يماثل المتروبوليت الراحل الياس قربان ورسمته مطراناً على ابرشية طرابلس والكورة وتوابعهما.
في التركيبة اللبنانية الطائفية ثغر كبيرة تمر من خلالها الفتن والزلازل المتلاحقة، فتصدّع وحدة المواطنين، وطرابلس شهدت الكثير منها، وخصوصا في الربع الاخير من القرن الماضي، وهي كانت فعلاً في حاجة الى رجل سلام له دماثة المطران قربان الراحل الذي كان له الدور الكبير في اعادة اللحمة واستمرار التعايش والاختلاط بين المسيحيين والمسلمين في عاصمة الشمال.
فهو نجح بذكائه ودأبه وشجاعته، وبممارسته تعاليم معلمه يسوع المسيح في الابقاء على اللحمة بين الناس الطيبين في طرابلس والشمال من مسلمين ومسيحيين، على خلاف طقوسهم وطوائفهم، وخصوصا المسيحيين الارثوذكسيين، فكانت دار المطرانية ومدارسها ومؤسساتها الخيرية والانسانية في ايام راعويته المديدة (47 عاما) ملاذا ومقصداً ومزاراً للمسلمين والمسيحيين على السواء.
كنت في اجتماع دعا اليه الرئيس الراحل رشيد كرامي في منتصف الثمانينات، لمحاولة وقف نزوح المسيحيين عن طرابلس ايام تسلط احدى الحركات الدينية المتطرفة على المدينة. فانبرى شيخ مسؤول في الحركة المذكورة الى المطران قربان بقوله "انتم تدعون اننا نهجر المسيحيين، في حين ان ثمة 29 كنيسة في طرابلس، اي ما يساوي عدد المساجد فيها". فأجاب المطران بهدوء: "هذا صحيح وانت الآن تذكرني بالواقعة التاريخية الشهيرة عن الخليفة عمر بن الخطاب الذي رفض دعوة بطريرك القدس للصلاة في الدير بقوله "لن اصلي هنا مخافة ان يأتي احد بعدي ويقول هنا صلى عمر، فيهدم الدير والكنيسة ويبني مسجداً". فيا اخي الشيخ، ان طرابلس هي امنا جميعاً ونحن ابناء بلد واحد ويجب ان نبقى معا نتعاون بكل محبة وصدق. لأن هذه هي ميزة لبنان ورسالته الى العالم".
يتذكر الجميع الحوادث الطائفية التي مرت على طرابلس وجوارها خصوصا في الثمانينات حيث بلغ النزوح المسيحي عن المدينة ذروته. و"سقطت" الصواريخ على دار المطرانية في الزاهرية، فأشعلت فيها النار اياما ودمرتها بالكامل. ورفض المطران قربان مغادرة طرابلس وقال آنذاك: "سنعيد بناء اللحمة المسيحية - الاسلامية في طرابلس والشمال قبل ان نعيد بناء المطرانية.
والجميع يعرفون انه فعل ذلك، وانه واصل عملية البناء في كل المجالات. الثقة بين الناس، وان تبقى طرابلس نموذجا للتعايش بين ابناء الوطن الواحد. كما تابع بناء المدارس والمؤسسات الخيرية والانسانية.
حقق المطران الراحل كل ذلك من دون ان تتلوث اعماله بالسياسة او الانحياز او التطرف. فكان يحرص دائما على التفريق بين ما هو لله وما هو لقيصر. ودأب على دعوة الناس في كل عظاته ورسائله وبياناته الى التعاون والسماح والتغلب على الفتن والشرور.
فيا سيادة المطران لقد كنت صديقاً للجميع وللفقراء قبل الاغنياء والوجهاء والسياسيين. حميت رعيتك من الشرور وستبقى في ضمير طرابلس ولبنان رجل المحبة والسلام. فادخل فرح سيدك.