البعد الإضافي للإسم في يونانية العهد الجديد ( 2 )
2- اسم : الآب
أولا : الصيغة المعرفة ( الشخص )
بحسب منطق هذه الدراسة فإن لفظة " الآب " المعرفة تعني الشخص ككيان مستقل ، ولكن نظرا لطبيعة المفهوم اللاهوتي لتلك اللفظة فإننا نجد أن لها استخداما خاصا بعض الشيء يختلف عن استخدام اللفظة المعرفة التي تعني شخص " الله " . فالآب هو شخص البدء المطلق ، فالذات الإلهية كائنة كحقيقة وجودية لأنها مستعلنة كشخص " الآب " . وهكذا فالحديث عن الآب يدخلنا إلى حديث شركة الثالوث الأقدس .
وعلى مستوى النعمة فإنه في المسيح يصاغ وجود جديد للبشر على شاكلة الثالوث الأقدس ، فيتم تبني البشر من قبل الآب بالشركة في ابنه المتجسد في الروح القدس . لذلك فعندما يذكر شخص " الآب " في العهد الجديد فنحن بصدد حديث إيجابي فيه يتم دعوة البشر لهذه الشركة . على أنه من المستحيل أن يذكر شخص " الآب " بخصوص حدث سلبي ، فعلى سبيل المثال لا نجد تعبيرا مثل " غضب الآب " على غرار تعبير " غضب الله " ، فشخص " الله " يقف في مواجهة الجميع أشرار وأخيار ، أما شخص " الآب " فلا يواجه ولا يخاطب إلا الأخيار المزمع أن يصيروا أبناء .
وعليه فإن شخص " الآب " ( o pater ) أينما يذكر فهو يقود سياقا يشير إلى النعمة التي يدعى إليها . والسياق هنا هو مجرد " دعوة " تحتمل القبول كما تحتمل الرفض . والقبول يعني الدخول في شركة مع الشخص ، أي " التبني " لدى الآب .
بعض من الأمثلة على الصيغة المعرفة
1- الآب
- " الآب " ( o pater ) يحب الابن وقد دفع كل شيء في يده . الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه " غضب الله " .( يو 3 : 35 و 36 ) .
- اعملوا لا للطعام البائد ، بل للطعام الباقي للحياة الأبدية الذي يعطيكم ابن الإنسان ، لأن هذا الله " الآب " قد ختمه .( يو 6 : 27 ) .
- لا يقدر أحد أن يقبل إلي إن لم يجتذبه " الآب " الذي أرسلني ، وأنا أقيمه في اليوم الأخير ( يو 6 : 44 ) .
- صدقوني إني في " الآب " "والآب " في ، وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها ، الحق الحق أقول لكم : من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضا ، ويعمل أعظم منها ، لأني ماض إلى " الآب " ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد " الآب " بالابن . ( يو 14 : 11- 13 ) .
- وأما المعزي ، الروح القدس ، الذي سيرسله " الآب " باسمي ، فهو يعلمكم كل شيء ، ويذكركم بكل ما قلته لكم . ( يو 14 : 26 ) .
- ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم ، وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ، ويدوم ثمركم ، لكي يعطيكم " الآب " كل ما طلبتم باسمي . ( يو 15 : 16 ) .
- ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من " الآب " ، روح الحق ، الذي من عند " الآب " ينبثق ، فهو يشهد لي ، وتشهدون أنتم أيضا لأنكم معي من الابتداء . ( يو 15 : 26 و 27 ) .
- في ذلك اليوم تطلبون باسمي . ولست أقول لكم إني أسأل " الآب " من أجلكم ، لأن " الآب " نفسه يحبكم ، لأنكم قد إحببتموني ، وآمنتم إني من عند الله خرجت .خرجت من عند " الآب " ، وقد أتيت إلى العالم ، وأيضا أترك العالم وأذهب إلى " الآب " . ( يو 16 : 26 - 28 ) .
- فإن الحياة أظهرت ، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند " الآب " وأظهرت لنا . الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به ، لكي يكون لكم أيضا شركة معنا . وأما شركتنا نحن فهي مع " الآب " ومع ابنه يسوع المسيح . ( 1يو 1 : 2 و 3 ) .
2- الآب ، منسوبة إلى الجمع المخاطب
- وحينما تصلون لا تكرروا الكلام باطلا كالأمم ، فإنهم يظنون أنه بكثرة كلامهم يستجاب لهم . فلا تتشبهوا بهم . لأن " أباكم " يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه .فصلوا أنتم هكذا : أبانا الذي في السموات ... ( مت 6 : 7-9 ) .
- أليس عصفوران يباعان بفلس ؟ وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون " أبيكم " . وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة . فلا تخافوا أنتم أفضل من عصافير كثيرة ! ( مت 10 : 29- 31 ) .
- بل أحبوا أعداءكم ، واحسنوا واقرضوا وأنتم لا ترجون شيئا ، فيكون أجركم عظيما وتكونوا بني العلي ، فإنه منعم على غير الشاكرين والأشرار . فكونوا رحماء كما أن " أباكم " أيضا رحيم . ( لو 6 : 35 و 36 ) .
- لا تخف أيها القطيع الصغير ، لأن " أباكم " قد سر أن يعطيكم الملكوت . ( لو 12 : 32 ) .
ثانيا : الصيغة غير المعرفة ( الشركة في الشخص ، حدث النعمة )
وكعادتنا دائما في هذه الدراسة ، فنحن نتبع منطقا ثابتا وهو أن لغة " تنكير الاسم " هي لغة مستيكية تدخلنا في دائرة فعل النعمة وتفتح أمامنا حدثا ديناميكيا . وهكذا فإن لفظة " الآب " غير المعرفة ( pater ) تضيء أمامنا حدث انفتاح الله الآب على البشر بتبنيهم في جسد ابنه الكلمة المرسل إلى العالم ليجتمع فيه المختارون لنعمة التبني .
بعض من الأمثلة على الصيغة غير المعرفة
- والكلمة صار جسدا وحل فينا ، ورأينا مجده ، مجدا كما لوحيد " من الآب " ( para patros ) ، مملوءا نعمة وحقا . ... ومن ملئه نحن جميعا أخذنا ، ونعمة فوق نعمة . لأن الناموس بموسى أعطي ، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا . ( يو 1 : 14 - 17 ) .
- وإن كنت أنا أدين فدينونتي حق ، لأني لست وحدي ، بل أنا " والآب " الذي أرسلني . وأيضا في ناموسكم مكتوب أن شهادة رجلين حق : أنا هو الشاهد لنفسي ، ويشهد لي " الآب " الذي أرسلني .( يو 8 : 16 - 18 ) .
- فقال لهم يسوع : لو كان الله " أباكم " لكنتم تحبونني ، لأني خرجت من قبل الله وأتيت . لأني لم آت من نفسي ، بل ذاك أرسلني . ( يو 8 : 42 ) .
- الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي . والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل " للآب " الذي أرسلني . ( يو 14 : 24 ) .
ثالثا : مثال مزدوج
- قال لها يسوع : لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد " إلى الآب " ( pros ton patera ). ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم : إني أصعد " إلى أبي " ( pros ton patera mou ) و" أبيكم " ( kai patera umwn ) وإلهي وإلهكم . ( يو 20 : 17 ) .
رابعا : ملحوظات وتعليقات
1- اللفظة المعرفة ( o pater ) تعني شخص الآب ، الكائن في شركة الثالوث الأقدس . وعندما تذكر ، هذه اللفظة فنحن بصدد سياق كاشف لعلاقة الشركة الديناميكية بين شخوص الثالوث ، والتي يتضمن فيها كل أقنوم ،كل أقنوم من الأقنومين الآخرين . ويصير كشف هذا السر العجيب " دعوة " للكنيسة لكي ما تصير شريكة فيه بالنعمة ، أي تصير صورة للثالوث الأقدس ، وهذه هي النعمة التي من الآب بالابن في الروح القدس .
2- نسبة شخص الآب ( اللفظة المعرفة ) إلى الجمع المخاطب ، إلى الكنيسة ، تكشف تمايزا لشعب الله عن الأشرار . هذا هو تمايز البنوة التي انتسب بها أفراد الكنيسة إلى الآب .
3- اللفظة غير المعرفة ( pater ) ، تكشف حدث النعمة الحي الجاري في الكنيسة ، الآن ، في الكلمة المتجسد ، الكلمة المرسل إلى العالم من قبل الآب . والإرسالية ، هنا ، هي حدث التجسد ذاته ، الذي فيه استعلن الملء ومن ملئه تمتلئ الكنيسة ، ونعمة فوق نعمة .
الأمر هنا يختلف تماما عن ما يتكشفه صيغة التعريف ، في الملحوظة الأولى . فنحن هنا لا نتحدث عن دعوة للشركة في الثالوث ، بالنعمة ، بل نتحدث عن اختبار حي وفعال ، اختبار آني ، تحياه الكنيسة في الزمن الحاضر ، وفيه تعلن قبول دعوة الشركة في الثالوث ، وفيه يكتمل بنيانها كجسد للمسيح .
4- بخصوص المثال المزدوج :
في الحديث مع المجدلية ، جاءت الصيغة - التي عبر بها الرب عن الصعود إلى الآب ، إلى أبيه - معرفة ، فالأمر يحمل مفهوما انقضائيا محسوما ومنتهيا عن كمال النعمة بصيرورة البشر مشتركين في الابن الصاعد إلى الآب . وأما عندما تغيرت دفة الحديث إلى الكنيسة ( إني أصعد إلى أبيكم ) جاءت الصيغة بدون تعريف ، فالحدث مايزال مفتوحا ، حاضرا ، فعالا ، فيه يصعد الرب كنيسته إلى أن تكتمل فيه ، ويكتمل هو فيها كجسد كامل وليس كرأس فقط .
----------- ( يتبع ) -----------