عطية الروح القدس
1- شهادة يسوع ، عن الروح :
" ذاك يمجدني ، لأنه يأخذ ممالي و يخبركم " . ( يو 16 : 14 ).
- كان حلول الروح القدس ، قديما ، مجرد حلول وقتي ، أما الان ، في المسيح ، فقد صار للروح ، سكنى أبدية فى البشر . والسكنى تعني توفر المسكن ، والمسكن هو الكنيسة ، هيكل الله الذى يسكنه روح الله. وعندما نؤمن أن العنصرة هى عيد تأسيس الكنيسة ، فيجب أن يكون ايماننا من العمق بحيث لايكون تفكيرنا مقتصرا على صورة الكنيسة كمؤسسة زمانية فى العالم ، أو حتى على مسار حركة الكرازة والدعوة الرسولية ، بل على الكنيسة فى مفهومها الأعمق كجسد للمسيح . الكنيسة ، بهذا المفهوم هى مايحتفى به فى عيد العنصرة .
- انطلق تأسيس هيكل الروح القدس ، بظهور حجر الزاوية ، الرب يسوع ، ومنه ينطلق بناء كل الهيكل بتحقق الوجود الافخارستي لجميع البشر، المختارين من أجل أن يصيروا كنيسة.
- حجر الزاوية ، الرب يسوع هو رأس المسحة ؛ لأن فيه يحل كل ملء اللاهوت ، والكلمة بتجسده قد مسح الجسد ، حاعلا منه مصدرا لمسحة الجميع.
- اذن ، بناء هيكل الروح القدس هو حدث تحقق الكنيسة ، هو حدث انتقال المسحة من رأس الجسد الى الأعضاء ، هو حدث" العنصرة" بالنسبة " للكل " (كيان المسيح ، الممتلئ) ، وهو، فى نفس الوقت ، حدث العنصرة بالنسبة " للجزء "( على مستوى الأعضاء).
- من هذا المنطلق ، نستطيع أن نفهم قول الرب عن الروح القدس : ( هو يشهد لي . يو 15 : 26 ) ؛ فالشهادة ، هنا هى ( شهادة يسوع .( رؤ 19 : 10) ، التي تعنى انسياب النعمة من من كيان الرب يسوع ، كرأس ، لتصبغ باقى الأعضاء وتمسحهم بالمسحة التى نالها جسد يسوع بفضل كونه جسد الكلمة ؛ فيشهد كل عضو ، وبالتالى يشهد جميع الأعضاء بانتمائهم العضوى الى الرب يسوع المسيح ( كما ثبتت فيكم شهادة المسيح ، حتى أنكم لستم ناقصين فى موهبة ما، وأنتم متوقعون استعلان ربنا يسوع المسيح، الذى سيثبتكم أيضا الى النهاية بلا لوم فى يوم ربنا يسوع المسيح . ( اكو 1 : 6 - 8 ).
- الروح القدس يشهد له ؛ لأن الروح هو الذى يحقق انتماء، أعضاء الكنيسة الى رأسهم ، فتتحقق الشهادة فى الجميع بتحقق الشركة فى الجسد الواحد.
- الروح القدس هو الذى يحمل مسار المجد من الرأس الى الأعضاء ( ذاك يمجدنى) ، ( مجدت، وأمجد أيضا. يو 12 : 28 ).
- عبارة ( يأخذ مما لي ويخبركم ) تعني : ( يأخذ من مسحتي ويمسحكم ؛ يأخذ مني ،كرأس ويخبركم ، كأعضاء.).
" سيرسله الاب باسمي ". ( يو 14 : 26 ) .
أولا: " سيرسله "
- تبعا لمفهوم "الارسالية " ، فان الفعل يختلف ، فى الأصل اليوناني للعهد الجديد ؛ فالارسالية بمعنى حمل رسالة معينة - كما هو الحال بالنسبة للرسل الذين فتنوا المسكونة برسالة الخلاص - يستخدم لها الفعل : ( apostello)، والرسول هو : ( apostolos) ، ومفهوم الارسالية بهذا المعنى يتمركز حول "الرسالة" ذاتها ، وليس حول "الرسول". أما الفعل المستخدم ، هنا ليعبر عن ارسالية الروح القدس - ويستخدم أيضا، فى مواضع مختلفة ليعبر عن ارسالية الابن - فهو الفعل: ( pempo )، الذى يعطي مفهوما للارسالية يتمركز حول الشخص المرسل .
ثانيا : " باسمى "( في اسمى = en to onomati mo).
- الاسم ، فى لغة الكتاب المقدس هو الشخص ، والاسم المقصود هنا هو ، اسم " المسيح " .
- عندما يذكرالرب أن حدثا ما يتم باسمه ( في اسمه) ، فان هذا يعني أن ذلك الحدث هو توصيف للنعمة الكائنة فى اسم " المسيح" ، والسارية داخل كيانه ، من الرأس الى الأعضاء.
- فتحقق الطلبة ،"باسمه " هو ذاته تحقق وجود الكنيسة ؛ أى تحقق الانضمام الى الاسم ؛ أى الانضمام الى جسد المسيح ( ليس أنتم اخترتموني ، بل أنا اخترتكم ، وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر، ويدوم ثمركم، لكى يعطيكم الاب كل ما طلبتم باسمي . ( يو 15 : 16 ) . و ( من يؤمن بي فالأعمال التى أنا أعملها يعملها هو أيضا، ويعمل أعظم منها ، لأنى ماض الى أبي. ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله ليتمجد الاب بالابن . ان سألتم شيئا باسمي فاني أفعله . (يو 14 : 12 -14 ).
فليس هناك شيئا، يطلبه الذين في المسيح ، غير الكينونة داخل اسم " المسيح ".
- المبارك الاتي باسم (في اسم ) الرب ، هو ذلك الكيان الجماعي ؛ الكنيسة ، الذى بمجيئه يتحقق مجيء الرب ؛ يتحقق امتلاء اسم " الرب" ؛ فلنتأمل هتاف الشعانين بحسب مرقس (مبارك الاتي باسم الرب ، مباركة مملكة أبينا داود الاتية . ( مر 11 : 9 و 10 ). هكذا يضعنا النص اليوناني لانجيل مرقس ، عند هذه النتيجة ، أن المضمون المستوعب داخل "اسم الرب" هو " مملكة أبينا داود " ، أى الكنيسة .
- اسم " المسيح" هو الاسم الذى حصل عليه الكلمة بتجسده ، وهو قد حصل على ذلك الاسم لكى يستوعب فيه كنيسته ( احفظهم في اسمك (en to onomati sou) الذى أعطيتني ، ليكونوا واحدا كما نحن .( يو 17 : 11 ).
اذن :
الروح القدس المرسل من لدى الاب ، هو مرسل فى اسم " المسيح " ، فشخص المسيح ، هو الشخص الذى فيه يمسح الجميع ، وخارج المسيح لاتوجد أى مسحة لأى أحد من البشر. اسم "المسيح" ، يخص كيانا تفيض فيه المسحة من الرأس الى الأعضاء ؛ أى يتم هبوب الروح من الرأس الى الأعضاء ؛ لذلك قال الرب عن نفسه، أنه هو من يرسل الروح ( ومتى جاء المعزي الذى سأرسله أنا اليكم من الاب ، روح الحق، الذى من عند الاب ينبثق ، فهو يشهد لي .( يو 15 : 26 ).
2- الباراقليط.
حتى لانتوه في الجدل ، حول مفهوم الكلمة ، فاننا نرى أن للكلمة معنيين أساسيين:
أولا : المعنى اللغوى للكلمة.
الفعل الأساسى فى الكلمة هو فعل " kaleo "، الذى يعني " توجيه الدعوة الى شخص ما " ، ويعني أيضا " اطلاق الاسم ، أو التسمية "؛ فالاسم فى لغة الكتاب المقدس هو "دعوة " وليس مجرد كلمة تمييزية للفرد ؛ فالاسم هو جوهر دعوة الشخص وهو جوهر الدور المنوط به ؛ فقد دعي "يسوع " بهذا الاسم " لأنه يخلص شعبه من خطاياهم ".( مت 1 : 21 ).
ولكن ، عندما يضاف الحرف ( para )، الى الفعل ، فان الفعل الجديد ( parakaleo ) - الذى اشتقت منه كلمة الباراقليط ( parakletos = paraclete ) - يعطى مفهوما يتخطى مجرد توجيه الدعوة - التى تحتمل القبول وتحتمل الرفض ، فى نفس الوقت - الى مفهوم "الطلبة والالتماس ، والتضرع النابع عن احتياج ماس " ، كما في ( فأتى اليه أبرص يطلب اليه جاثيا وقائلا له : " ان أردت تقدر أن تطهرني".( مر 1 : 40 ).
الباراقليط ، من خلال هذا المنظور ، هو الشخص " الملتمس ، المعرب عن احتياج معين ، والمستميت فى الحصول على مايشبع هذا الاحتياج".
ثانيا : المعنى الاصطلاحى للكلمة.
وهو ما اصطلح عليه، منذ القرون الأولى ، أن مفهوم الكلمة هو " التعزية " والباراقليط هو " المعزي" ، ولكن من الأفضل لنا الان أن نرى كيف يرصد العهد الجديد ، مفهوم "التعزية" (paraklesis).
يضع الرسول بولس كلمة " التعزية " ، كوجه اخر، مواز، ومتلازم لمفهوم " الصليب " ؛ أى كوجه اخر" لشركة الام المسيح" : ( مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح ، أبو الرأفة واله كل " تعزية " . الذى " يعزينا " فى كل ضيقتنا، حتى نستطيع أن " نعزي " الذين هم فى كل ضيقة “بالتعزية” التى "نتعزى" نحن بها من الل ه. لأنه كما تكثر الام المسيح فينا ، كذلك بالمسيح تكثر " تعزيتنا " أيضا. فان كنا نتضايق فلأجل " تعزيتكم " ، وخلاصكم ، العامل فى احتمال نفس الالام التى نتألم بها نحن أيضا. أو" نتعزى "فلأجل " تعزيتكم " وخلاصكم. فرجاؤنا من أجلكم ثابت. عالمين أنكم كما أنتم شركاء في الالام ، كذلك في " التعزية" أيضا. ( 2 كو1 : 3 - 7 ).
مفهوم كلمة " الباراقليط" .
أن يحسم الجدل ، بتبني أحد المعنيين ، فهذا درب من المستحيل. . وتكمن المشكلة ، في أنه لاسبيل فى سبر أغوار كلمة " الباراقيط " ، الا بفهم طبيعة عمل الروح القدس فى الكنيسة ؛ بمعنى أنه لاسبيل الا الحسم اللاهوتي.
- الروح القدس هو الذى يؤسس الكنيسة ، هو الذى يحقق "العضوية "في جسد المسيح ، هو صانع المسكن وهو ساكن هذا المسكن، ولكن فيما يصنع الروح ذلك ، فهو يتمم عملا مزدوجا ؛ فبواسطة فعله الناري يموت العتيق ، لحساب الجديد . الروح القدس، هو الذى يكشف " الاحتياج " ، وهو الذى يملأ ذلك الاحتياج . الروح القدس ، هو الذى يخلق " التضرع "، وهو الذى يجيب الطلبة : " وكذلك الروح أيضا يعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي. ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها. ( رو 8 : 26 ) .
- الباراقليط ، هو الشخص الذى فيه " يلتمس ويدرك - بان واحد - وجود الكنيسة " .
- الباراقليط ، هو الشخص الذى فيه " تلتمس وتدرك - بان واحد - المسحة "؛ لأنه هو روح المسحة وهو روح الصبغة الذى به يصطبغ الجميع .
- دعى الرب يسوع المسيح ، بالباراقليط ، لأنه شخص الكفارة ، الذى فيه تتغطى جميع احتياجات أعضائه ، للوجود ، بفضل فيض المسحة المنساب من الرأس الى الأعضاء : " وان أخطأ أحد فلنا شفيع (parakleton ) عند الاب ، يسوع المسيح البار . وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضا ". ( 1 يو 2 : 1 و2 ).
- " المسكن و ساكنه " ، وجهان لعملة واحدة ، فالباراقليط هو الروح القدس الذى فيه يلتمس تحقيق وجود الكنيسة ، كجسد للمسيح وبدون وجوده ، لاتوجد كنيسة . والكنيسة ،كجسد للمسيح ، هي موطن المسحة و مسكن الروح . وخارجها لايوجد أى مدلول لكلمة " الباراقليط" .
- الباراقليط هو " الروح القدس المرسل الى البشر فى المسيح " ، وكما أن الكلمة بتجسده ، قد دعى " مسيحا " ، كذلك أيضا ، الروح القدس بسكناه الأبدية فى البشر ( في المسيح ) ، قد دعي " الباراقيط " ؛ لأنه هو" ملتمس ومحقق" المسحة ، التي في المسيح.
اذن : كشف " الاحتياج الى المسحة " ، التي في المسيح ، واشباع هذا الاحتياج - بانسياب المسحة من الرأس الى الأعضاء - هما وجها العمل الواحد الذى يقوم به شخص " الباراقليط".
خلاصة :
العمل الذى يستعلنه مصطلح " الباراقليط " ، له وجهان : الوجه السلبى هو" كشف الاحتياج" ؛ فالباراقيط هو الشخص " الملتمس" ( صيغة اسم الفاعل) ، الذي فيه تتم الشركة فى الام وموت الرب. والوجه الايجابى هو "اشباع الاحتياج" ؛ فالباراقليط هو الشخص " الملتمس " ( صيغة اسم المفعول ) ، الذي فيه تتم الشركة فى قيامة الرب.
3- اسم " الروح القدس".
( من منظور، " لغة التعريف والتنكير" ، فى يونانية العهد الجديد).
- ليس هذا درس في اللغة ، ولكنه اكتشاف لعبقرية يونانية العهد الجديد، واكتشاف لخصوصيتها ، فى اضافة أبعاد تأويلية للكلمة ؛ فالاسم فى يونانية العهد الجديد ، كما فى السبعينية ، تصحبه حالة من اثنين ، اما "التعريف " ، بوضع أداة خاصة أمامه ، أو " التنكير" بوروده بدون أى أداة ، ولكن المدهش هو ، أن كل احتمال من الاحتمالين يعطى تأويلا خاصا، للاسم ؛ وبصفة عامة فان الاسم " المعرف" ، يعني " الشخص المستقل عن الاخر " ، يعني " الحالة المغلقة ، المكتملة ، الساكنة . واذا كنا نتكلم عن أسماء مثل: (الاب ، الابن، الروح القدس ، الله )، فان مايعنيه " التعريف "بالنسبة لهذه الأمثلة هو أن كل منها يعني شخصا مستقلا، فى مواجهة الخليقة . أما " التنكير " ، فهو مرادف لحالة "النعمة " ، التنكير يعني الحالة المفتوحة ، يعنى الحدث الحاضر الذى فيه تتحقق العلاقة " النعموية " للبشر، بالشخص المذكور - اذا كان الاسم يخص شخصا بسيطا كالأمثلة المذكورة - أو يتحقق وجود الشخص ذاته ، اذا كان الاسم يخص شخصا مركبا مثل: ( المسيح ، الكنيسة).
- اسم " الروح القدس " ، ولأنه مكون من كلمتين ، فقد ازدادت الاحتمالات ، وازدادت تبعا لذلك الأبعاد التأويلية ، للاسم.
الصيغة الأولى للاسم : صيغة الشخص . ( الكلمتان المعرفتان) أو ( كلمة " الروح " ، المعرفة ، وحدها).
وتعنى شخص الروح القدس ، " المستقل "، فى مواجهة " الاخر" ( الخليقة ).
-أمثلة :
- ( الذى لا يحبني لايحفظ كلامي . والكلام ( " الكلمة "، فى الأصل اليوناني ) الذي تسمعونه ليس لي بل للاب الذى أرسلني . بهذا كلمتكم وأنا عندكم . وأما المعزي (الباراقليط) ، الروح القدس (to pnevma to agion) ، الذى سيرسله الاب باسمي ( لم يكن قد أرسل بعد) ، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ماقلته لكم .( يو 14 : 25 ، 26 ).
- ( قال هذا عن الروح ( tou pnevmatos ) الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه،…، لأن يسوع لم يكن قد مجد بعد .( يو7 : 39 )
- ( ولاتحزنوا روح الله القدوس (to pnevma to agion tou theo) الذي به ختمتم ليوم الفداء . ( أفس 4: 30).
الصيغة الثانية للاسم : صيغة الدعوة . ( تعريف كلمة " القدس" فقط ، وتقدمها فى الترتيب على كلمة "الروح").
وتعني شخص الروح القدس ، المعطى كدعوة ، فى اطار الكرازة الرسولية . والدعوة تحتمل القبول ، وتحتمل الرفض أيضا.
- أمثلة :
- ( فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الاب والابن والروح القدس( tou agiou pnevmatos) .( مت 28 : 19 ).
والملاحظ هنا ، فى هذا الاقتباس ، أن الاسمين " الاب والابن " ، ليس لهما " صيغة دعوة " ، ولكن قد ورد كل منهما فى الصيغة " المعرفة" ؛ أي " صيغة " الشخص . المستقل”.
- ( فقال لهم بطرس : " توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا ، فتقبلوا عطية الروح القدس ( tou agiou pnevmatos). لأن الموعد هو لكم ولأولادكم ولكل الذين على بعد، كل من يدعوه الرب الهنا .( أع 2 : 38 ، 39 ).
- (وأما الكنائس فى جميع اليهودية والسامرة فكان لها سلام ، وكانت تبنى وتسير فى خوف الرب ، وبتعزية الروح القدس ( tou agiou pnevmatos ) كانت تتكاثر . ( أع 9 : 31).
- (فهذان (برنابا وشاول ) اذ أرسلا من الروح القدس( tou agiou pnevmatos ) انحدرا الى سلوكية، ومن هناك سافرا فى البحر الى قبرص .(أع 13: 4).
- ( وبعد مااجتازوا فى فريجية وكورة غلاطية، منعهم الروح القدس (منعوا من الروح القدس ، tou agiou pnevmatos ) أن يتكلموا فى أسيا.(أع 16 :6).
الصيغة الثالثة للاسم : صيغة النعمة. ( الكلمتان بدون تعريف ).
وتعني شخص الروح القدس الحاضر والفاعل في حركة النعمة ، التي فيها يتم تحقيق وجود الكنيسة.
- أمثلة:
- ( الروح القدس( pnevma agiov ) يحل عليك، وقوة العلى تظللك ، فلذلك ( dio = لهذا السبب) أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله .(لو 1 :35).
الواقع أن كل الأسماء الواردة فى هذا الاقتباس - فيما عدا " المولود "- هى بدون أي أدوات تعريف. وهذه العبارة ، تحديدا أعتبرها نموذجا للتدليل على " البعد "الذي يضيفه "تنكير" الاسم . والبشارة هي انطلاق حدث التجسد ، أي انطلاق حدث النعمة ، الذي مازال مفتوحا وساريا حتى الان ، والى امتلاء كيان الكنيسة . حتى اسم " ابن الله " ، الوارد بدون أى أدوات تعريف، يرشدنا الى أن الولادة هنا لاتعني ولادة "شخص الابن "، على اطلاقها ، ولكن تعني "ولادة شخص الابن المتجسد الذى فيه قد دعى الانسان "ابنا لله " ، وتعني ولادة الكنيسة . ولو كان الاسم " ابن الله " ، هنا ، يعني" الشخص " ، على اطلاقه ( اللاهوت العاري لشخص الكلمة ) ، لكنا نواجه مشكلة حقيقية ؛ اذ كيف يعود ، سبب كونه " يدعى ابن الله "، الى حدث حلول الروح القدس على العذراء ؟ ماذا كان يدعى ، اذن ، قبل البشارة ؟!.
- ( لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته - خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس ( pnevmatos agiou ) ، الذى سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا.( تى 3: 5 ،6 ).
- فانهم قالوا لكم : " انه فى الزمان الأخير سيكون قوم مستهزئون ، سالكين بحسب شهوات فجورهم . هؤلاء هم المعتزلون بأنفسهم ، نفسانيون لا روح ( pnevma ) لهم . وأما أنتم أيها الأحباء فابنوا أنفسكم على ايمانكم الأقدس ، مصلين فى الروح القدس ( en pnevmati agio) ، واحفظوا أنفسكم فى محبة الله ، منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية. ( يه : 18 - 21 ).
- الاقتباس الأخير ، يشير بوضوح الى أن اسم" الروح القدس "، أو اسم " الروح" ، بدون تعريف ، يعني شركة الروح القدس ، التي هي الحياة الجديدة عديمة الموت ، والتى تميز الذين فى المسيح عن الباقين ، النفسانيين ، المعتزلين بأنفسهم ؛ أي الذين رفضوا الشركة في الروح ( لا روح لهم ).
- مثال ، معقد ، بعض الشيء : " التجديف على الروح القدس " .
أولا : لابد أن يطرح هذا الموضوع ، من زاويتين :
1 - من زاوية نظر ، انجيلي : متى ومرقس.
- الحديث موجه الى الكتبة والفريسيين ، الذين قالوا عنه أنه ببعلزبول رئيس الشياطين ، يخرج الشياطين ( مت12 :24) و (مر 3: 22 ).وقد كان الحديث موجها اليهم بطريقة مباشرة ، فى هذا السياق.
- التجديف على الروح القدس ، هو رفض الشركة فى الروح القدس ؛ أى رفض النعمة ورفض الخلاص .
- الكتبة والفريسيون ، المراؤون ، هم رافضون للروح ومرفوضون منه ، بداية ؛ لذلك كان مفهوم " التجديف على الروح القدس "، فى الحديث الموجه اليهم هو رفض شخص الروح القدس بطريقة مطلقة . وفى هذا السياق جاء الاسم في " الصيغة الأولى " ، أي "صيغة الشخص"، المستقل:
-( لذلك أقول لكم : كل خطية وتجديف يغفر للناس ، وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الانسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس ( tou pnevmatos tou agiou ) فلن يغفر له ، لا في هذا العالم ولا فى الاتي…. يا أولاد الأفاعي ! كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟ .(مت 12 : 31 - 34 ).
- ( الحق أقول لكم : ان جميع الخطايا تغفرلبني البشر ، والتجاديف التى يجدفونها. ولكن من جدف على الروح القدس ( to pnevma to agion) فليس له مغفرة الى الأبد، بل هو مستوجب دينونة أبدية " .لأنهم قالوا : " ان معه روحا نجسا " .( مر3 : 28 - 30 ).
2- من زاوية نظر انجيل لوقا .
- الحديث موجه، بطريقة مباشرة الى التلاميذ.
- التلاميذ ، يمثلون المدعوين لشركة الروح القدس ، المدعوين لكى يصيروا كنيسة.
- التجديف ، بالنسبة للذين صارت اليهم الدعوة ، هو رفض دعوة " الشركة فى الروح القدس "
لذلك أتى اسم " الروح القدس " - فى الحديث عن التجديف - فى الصيغة الثانية ، أي " صيغة الدعوة " :
- ( وأقول لكم : كل من اعترف بي قدام الناس ، يعترف به ابن الانسان قدام ملائكة الله. ومن انكرني قدام الناس ، ينكر قدام ملائكة الله. وكل من قال كلمة على ابن الانسان يغفر له، وأما من جدف على الروح القدس( to agion pnevma) فلا يغفر له . ومتى قدموكم الى المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أو بما تحتجون أو بما تقولون، لأن الروح القدس يعلمكم فى تلك الساعة ما يجب أن تقولوه . ( لو 12 : 8 - 12 ).
ثانيا : أما بخصوص التفرقة فى مغفرة التجديف - بين حالة وقوعه على " الروح القدس" ، و حالة وقوعه على شخص ابن الانسان - فهى مجرد كشف" للتعاقبية " داخل مسار النعمة ، وليست " تفاضلية " بين الشخوص ؛ فشخص الروح القدس هو الذي ، بقوته ، يتحقق وجود شخص " ابن الانسان " ، الممتلئ بجميع أفراد الكنيسة. ومن المنطقي - من هذا المنظور - أن جميع أفراد الكنيسة قد انطلقوا من " نقطة صفر" ، هي " وجودهم الفاسد ، خارجا عن كيان ابن الانسان " وقد تحقق دخولهم اليه بقوة الروح القدس ، الذى يبني هذا المسكن الأبدي لذاته ، فيهم . وبالتالي فان رفض الروح القدس ( التجديف) هو بمثابة غلق لباب النعمة ، من منبعها ، وهو اقصاء عن الكينونة في ابن الانسان ، وهو نهاية كل شئ.
- الروح القدس هو الذى يمسح كيان ابن الانسان ، ورفض الروح (التجديف) ، هو رفض للمسحة ، هو رفض للعضوية في جسد ابن الانسان ، وبالتالي هو رفض للتغطية بثوب الحياة ( قد لبستم المسيح . غل 3 : 27 ) ، أي عدم المغفرة . وأما قبول الروح والشركة فيه فيعني مغفرة ماكان قبلا ، تجاوزا ضد ابن الانسان ؛ اذ بالفعل في الروح القدس تتم الشركة والعضوية في كيان ابن الانسان.
- العلاقة بين شخص " الروح القدس " وشخص " ابن الانسان " ، هى علاقة " القوة التى تحقق النعمة " ، بالنعمة . هى علاقة " الفعل "، برد الفعل . هي علاقة الشجرة بالثمرة .لذلك فان التجديف على الروح القدس ، هو بطبيعة الحال تجديف على ابن الانسان ، ( ومن قال كلمة على ابن الانسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له ، لا في هذا العالم ولا في الاتي. اجعلوا الشجرة جيدة وثمرتها ( بصيغة المفرد) جيدة، أو اجعلوا الشجرة ردية وثمرتها ردية ، لأن من الثمرة تعرف الشجرة. ( مت 12: 32 ،33 ).
-" ابن الانسان " هو ثمرة حضور وسكنى " الروح القدس" في البشر.
- الروح القدس هو الشخص الذي ، بقوته ، ينطلق مسار النعمة ، وبحضوره يستمر سريان هذا المسار.
- اسم " الروح القدس " ، هو الوحيد من أسماء الكتاب المقدس ، الذى له " صيغة دعوة " (كما ذكرنا سابقا) ؛ فهو الذي يدعو الخليقة الى النعمة ، وهو الذي يحرك مسار النعمة ، وهو الذي يسكن ويستقر ، أبديا في ذلك المسار.
- الروح القدس هو صاحب الدعوة ، المبادر ، الذى بحضوره تتم النعمة.
- بحضور الروح القدس ، انطلق الوجود العتيق ( وكانت الأرض خربة وخالية ، وعلى وجه الغمر ظلمة ، وروح الله ( pvevma theo = " صيغة النعمة " للاسم ؛ بحسب السبعينية ) يرف على وجه المياه . وقال الله : " ليكن نور" فكان نور. ( تك 1 :2 ، 3 ).
- وبحضور الروح القدس ، انطلق الوجود الجديد ، فى المسيح ( الروح القدس " pnevma agion "= صيغة النعمة ) يحل عليك، وقوة العلى تظللك ، ...( لو 1 :35 ).
- وبحضور الروح القدس يتحقق ، الان، امتلاء شخص " الوجود الانساني الجديد " ، شخص " ابن الانسان ".
- لاوجود لشخص " ابن الانسان " بدون الروح القدس ؛ فهو الذى أنشأ ذلك الكيان ، فى التجسد ، وهو الذى يكمله ، الان ، الى أن يتحقق مجيء الرب.
— حدث قبول ( أخذ ) الروح القدس، هو ذاته حدث "المغفرة " ؛ فثنائية "الشخص والنعمة "، هى قضية لا يعرفها اللاهوت المسيحي : ( ولما قال هذا نفخ وقال لهم :"اقبلوا الروح القدس ( pnevma agion = صيغة النعمة ) . من غفرتم خطاياه تغفر له ، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت ". ( يو 20 : 22 ).
– ونظرا للأهمية القصوى لهذه الاية ، فى تاريخ الفكر المسيحى ، فلنا عليها عدة ملاحظات :
- الملحوظة الأولى : لو كان المقصود باعطاء الروح القدس ،هو مجرد " اعطاء سلطان خاص "، للرسل ( ولطبقة الاكليروس من بعدهم) ، لكان من الأجدى أن يستخدم الوحي صيغة أخرى لاسم " الروح القدس" وهي " صيغة الدعوة"- كما في ( فقال لهم بطرس : ” توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا ( لمغفرة خطاياكم) ، فتقبلوا عطية الروح القدس ( tou agiou pnevmatos ) . ( أع 2 : 38)- ولكنه بدلا من ذلك ، استخدم "صيغة النعمة " . والنعمة تعطى للكل .اذن كان الخطاب في هذه الاية موجها للكنيسة كلها ، من خلف التلاميذ.
- الملحوظة الثانية : القرينة التاريخية للاية ( عشية قيامة الرب ، في أول ظهور له أمام الكنيسة، المجتمعة خلف الأبواب المغلقة ) ، تشير الى أن المقصود هو استعلان حقيقة القيامة كواقع يخص الكنيسة ، كواقع ينطلق من جسده الخاص ،كرأس ، الى جميع الأعضاء ( فقال لهم يسوع أيضا : " سلام لكم ، كما أرسلنى الاب أرسلكم أنا ". ( يو 20: 21 ).
- الملحوظة الثالثة : فعل "القبول " أو " الأخذ " ( lambano ) ، لم يذكر ، فى الأناجيل، فى صيغة وصية ( اقبلوا ) - على لسان الرب يسوع ، الا بخصوص أمرين ،أحدهما هو " قبول الروح القدس" والثانى حينما قال " خذوا (labete ) كلوا . هذا هو جسدى " (مت 26: 26 ).
- مايوصي السيد بقبوله - هنا - هو الكينونة فى جسده الذى هو هيكل الروح القدس ،المبنى فى البشر.
- القبول " المجرد" للروح القدس ، لا معنى له ؛ فالروح لايؤخذ الا بالعضوية في كيان المسيح ( الشخص الممسوح ) ،الذي يضم كل الممسوحين ، أى فى كيان ابن الانسان؛ لذلك فان " قبول الروح" و" قبول العضوية فى ابن الانسان " ، هما وجهان لحدث واحد .
- اذن ، التجديف على الروح القدس - أى رفض الشركة فيه ورفض المسحة به - هو تجديف على ابن الانسان ؛ لأنه رفض للقوة التي تحقق وجود ذلك الكيان ، وبالتالى فهو اقصاء عنه؛ لذلك قال "ان التجديف على الروح لايغفر، بينما يغفر التجديف على ابن الانسان؛ لأن ابن الانسان ذاته هو موقع المغفرة الذي فيه يتغطى الجميع بمسحة الروح القدس ، ورفض الروح هو رفض لابن الانسان ، ولكن مع الأخذ فى الاعتبار أن "رفض ابن الانسان" أو " التجديف على ابن الانسان " هو الحالة الطبيعية الأولى التى ينطلق منها الجميع ، وبفضل " قبول" الروح القدس، يصيرون واحدا ، في" ابن الانسان".
4- الروح القدس و " مجيء ابن الانسان ".
- مجيء ابن الانسان ، على سحاب السماء ، هو حدث تحقق وجود الكنيسة ككيان يضم كل أعضاء جسد المسيح ، وذلك بفضل قوة الروح القدس ؛الذى يبني هذا الكيان ، والذى يسكنه أبديا . وقد بدأ ذلك الحدث بتدشين حجر زاوية الكيان ، الرب يسوع التاريخي ، ذلك الذى أصبح رأسا وأصلا ينطلق منه تكميل كيان ابن الانسان .
- السحاب ، فى الكتاب المقدس هو حضور الروح القدس المستعلن فى النعمة . وليس لدينا من نعمة ،نحتفي بها غير ذلك الوجود الانساني الجديد ، الكائن في المسيح ؛ أي الوجود الانساني الممسوح بالروح القدس ؛ أي التموقع داخل كيان "ابن الانسان ".
- شخص "ابن الانسان"، بتعريف الكلمتين ، فى يونانية العهد الجديد ، يأتى مكافئا لشخص "المسيح " ( الاسم المعرف) ، وعليه فان الاسم " ابن الانسان" ليس فردا ، وليس مكافئا للرب يسوع التاريخي وحده ، بل هو مكافئ لشخص المسيح الممتلئ بالكنيسة والمستوعب لها كجسد ، رأسه هو الرب يسوع ، الكلمة المتجسد، كما فى ( سأل تلاميذه قائلا :” من يقول الناس اني أنا ابن الانسان ؟ ( ton eion tou anthropou )” … قال لهم : " وأنتم من تقولون اني أنا ؟ " فأجاب سمعان بطرس وقال : : أنت هو المسيح (الاسم المعرف) ابن الله الحى ( الاسماء الثلاثة معرفة) .( مت 16 : 13 - 16 ).
مجيء ابن الانسان ، بقوة.
- يأتي ابن الانسان بقوة : (مت 24 :30 ) ، (مر 13 :26 ) ، ( لو 21 :27 ). ويأتي جالسا عن يمين القوة: (مت 26 : 64 ) ، (مر 14 :62 )،( لو 22 : 69 ).
- القوة هى قوة الروح القدس:
- ( ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم .( أع 1 :8).
- ( فأقيموا في مدينة أورشليم الى أن تلبسوا قوة من الأعالي .( لو 24 :49).
- الروح القدس ، اذن ، هو الذي يجيء بهذا الكيان ويحققه بقوته ، وبداية الحدث هي التجسد ( الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك …( لو 1: 35 ). وبقوة الروح القدس يستمر الحدث بتكميل الكيان ، أي بتكميل جسد المسيح ( لكى يعطيكم بحسب غنى مجده ، أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الانسان الباطن ، ليحل المسيح بالايمان في قلوبكم .( أفس 3 : 16).
مجدي داود