مثل الزارع : قصة الخليقة
( مت 13 : 1- 23 ) ، ( مر 4 : 1 - 20 ) ، ( لو 8 : 4 - 15 )
في اعتقادي أن مثل الزارع هو صياغة بانورامية لقصة الكون التي تنطلق منذ لحظة اضطلاع الله بدعوة الخليقة الى الوجود ، من العدم ، مرورا باكتمال خلقة الكون الكبير ، بكل مجراته وانتهاءا بخلقة الانسان ودعوته للعلاقة الأبدية مع الله .
1- الزارع والمزروع هما واحد
لدينا مفتاحان لولوج أسرار الرؤية الكونية لمثل الزارع :
أولا : عبارة يسوع التي وردت في سياق تفسيره للمثل ، في انجيل لوقا ، حيث قال : " الزرع ( البذرة = o sporos = seed ) هو كلمة الله ( صيغة المفرد = o logos tou theo ) ( لو 8 : 11 ).
وحينما تأتي عبارة " كلمة الله " ، بهذه الصيغة المعرفة ، لشطري الاسم - في يونانية العهد الجديد - فهي تعني شخص الكلمة ، الابن الوحيد ، ولا تعني مجرد ما يمكن فهمه عن كلمات الوحي المكتوبة في الكتاب ، أو كلمات الوعظ الروحي ، أو أي مفهوم اخر .
ثانيا : عبارة يسوع التي وردت في سياق تفسيره لمثل اخر ، هو مثل القمح والحنطة ، حيث قال : " الزارع الزرع الجيد هو ابن الانسان . والحقل هو العالم . والزرع الجيد هو بنو الملكوت . ( مت 13 : 37 و 38 ).
اذن ، الحديث عن فلاحة الله هو حديث عن خروج شخص الكلمة ليزرع ذاته في الخليقة . وهذه هي بانوراما النعمة المستعلنة في الخليقة ، كما أراد الرب أن تكون . فبالكلمة ، كل شيء ، في الخليقة ، قد كان ، وبغيره لم يكن شيء مما كان ( يو 1 : 3 ) . هو قد حضر في الخليقة ، واضعا فيها بذرة ذاته ، فظهرت الخليقة موجودة ، كاستعلان لذلك الحضور. وعندما أثمرت بذرته ، المغروسة في الخليقة ، ثمرا هو كنيسته ، وعندما أثمرث مسيحا يجتمع فيه بنو الملكوت ، كان هذا استعلانا لتمام فلاحة الكلمة ، في الخليقة .
خرج الكلمة ناثرا بذرة ذاته ، فظهر الكون كمرمى لبذاره ، وظهرت كنيسته كثمر لفلاحته لأرض جيدة ، ظهرت في هذا الحقل الكوني .
2- خروج الزارع
اذا كان الزارع هو شخص الكلمة ، فخروج الزارع هو هو خروج الابن من الاب ، الى العالم ، هو عطية الابن للعالم : " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى أعطى ابنه الوحيد .." ( يو 3 : 16 ) . خروج الزارع هو حضور الابن في الخليقة ، هو ارساليته الى العالم ، التي بلغت قمتها في تجسده ، الى الأبد ، في البشر ، بظهور الرب يسوع ، التاريخي :
( لأن الاب نفسه يحبكم ، لأنكم قد أحببتموني ، وامنتم أني من عند الله "خرجت ". "خرجت" من عند الاب ، وقد أتيت الى العالم ، وأيضا أترك العالم وأذهب الى الاب ( يو 16 : 27 و 28 ).
3- الطريق
أولا : التفسير بحسب الكتاب
- " كل من يسمع كلمة الملكوت ولا يفهم ، فيأتي الشرير ويخطف ما قد زرع في قلبه . هذا هو المزروع على الطريق ."( مت 13 : 19 ).
- " وهؤلاء هم الذين على الطريق :حيث تزرع الكلمة ، وحينما يسمعون يأتي الشيطان للوقت وينزع الكلمة المزروعة في قلوبهم ."( مر 4 : 15 ).
- " والذين على الطريق هم الذين يسمعون ، ثم يأتي ابليس وينزع الكلمة من قلوبهم لئلا يؤمنوا فيخلصوا ."( لو 8 : 12 ).
ثانيا : التعليق
الطريق هو مسار تطور الكون منذ انطلاقه وحتى زواله ، ويأتي في قمة هذا التطور ، الانسان المخلوق على صورة الله ومثاله ، فنعمة العقل الانساني - بحسب الاباء ، لاسيما أثناسيوس - هي ظل الكلمة . وهكذا فان مسار الكون انما كان يهدف الى هدف واحد هو ظهور الوعي الانساني ، المزروع فيه ، بذرة الكلمة .
هذا هو الطريق الذي سقط عليه البعض من بذار الكلمة ، والمعنى هنا هو أن الكون بجملته ، من مبدئه وحتى منتهاه هو محمول بالكلمة الحاضر فيه ، والذي كل شيء به كان ، وسيظل الكلمة حاضرا في الكون الى أن يكتمل الهدف منه ، فينهي الكلمة حضوره فيه ، فيعود الكون ، ثانية الى العدم ، هذا ما يعنيه مجيء طيور السماء والتقاطها للبعض الساقط على الطريق . هذا هو مضمون مجيئ ابليس ليخطف الكلمة المزروعة ، فابليس هو رئيس هذا العالم المادي الطبيعي ، ومصير هذا العالم هونفس مصير ابليس ، أي الهلاك الأبدي ، حينما ينهي شخص الكلمة حضوره فيه .
سقوط بذار الكلمة على الطريق لايعني أن الطريق مستهدف ، في حد ذاته لأن يزرع فيه الكلمة ، فحضور الكلمة في الطريق هو حضور زمني ، ينتهي بانتهاء زراعة الكلمة في الأرض المستهدفة بالزراعة ، أي الأرض الجيدة التي في نهاية الطريق .
4- الأرض
الأرض هي البشر ، وينقسم البشر في ردود أفعالهم تجاه الكلمة المزروع في وعيهم ، الى ثلاثة أقسام ، حسب طبيعة الأرض :
الأرض الجيدة
أولا : التفسير بحسب الكتاب
- " وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم . وهو الذي يأتي بثمر ، فيصنع بعض مئة واخر ستين واخر ثلاثين ." ( مت 13 : 23 ).
- " وهؤلاء هم الذين زرعوا على الأرض الجيدة : الذين يسمعون الكلمة ويقبلونها ، ويثمرون : واحد ثلاثين واخر ستين واخر مئة ."( مر 4 : 20 ).
- " والذي في الأرض الجيدة ، هو الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلب جيد صالح ، ويثمرون بالصبر ." ( لو 8 : 15 ) .
ثانيا : التعليق
هم بنو الملكوت ، الذين يقبلون بذرة الكلمة بدون مقاومة ، فتتجذر فيهم مخترقة أعماقهم ، فيكتمل زرعهم ويثمر حياة أبدية ، في الكلمة ، المسيح الرب .
هم أرض عميقة ، غير صخرية . هم أرض بلا شوائب أو أشواك قاتلة . وهكذا ، في الروح القدس ، الذي يفحص حتى أعماق الله ، تخترق الجذور الخارجة من بذرة الكلمة أعماقهم ، لتثمر ، في النهاية ، حياة في المسيح . هم الذين يثمرون الكنيسة ، ملكوت الله .
الأرض المحجرة
أولا : التفسير بحسب الكتاب
- " والمزروع على الأماكن المحجرة هو الذي يسمع الكلمة ، وحالا يقبلها بفرح ، ولكن ليس له أصل في ذاته ، بل هو الى حين . فاذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة فحالا يعثر ."( مت 13 : 20 و 21 ).
- " وهؤلاء كذلك هم الذين زرعوا على الأماكن المحجرة : الذين حينما يسمعون الكلمة يقبلونها للوقت بفرح ، ولكن ليس لهم أصل في ذواتهم ، بل هم الى حين . فبعد ذلك اذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة ، فللوقت يعثرون ."( مر 4 : 16 و 17 ).
- " والذين على الصخر هم الذين متى سمعوا يقبلون الكلمة بفرح ، وهؤلاء ليس لهم أصل ، فيؤمنون الى حين ، وفي وقت التجربة يرتدون ."( لو 8 : 13 ).
ثانيا : التعليق
هم المتدينون السطحيون ، الذين تقف علاقتهم بالكلمة ، في حدود الناموس والوصية الظاهرة ، هم في النهاية لا يعبدون الا ذواتهم ، فيثمرون ثمرا وهميا . قد يكون لهم صورة التقوى ولكنهم ينكرون قوتها . وما أن تبزغ شمس ذلك اليوم ، الا ويفتضح أمرهم . ان تدينهم الشكلي ، السطحي ، لم يغير في واقعهم شيئا ؛ فمازالت طبيعتهم هي ذات الطبيعة الفاسدة ، وهم لم يثمروا الحياة الروحية التي في شركة الكلمة ، وبالتالي فلا مهرب من مصير تستحقه طبيعتهم البائدة ، فيجف نبتهم ويبادون من أرض الأحياء .
هم ليس لهم عمق ، أي ليس لهم شركة الروح القدس ، وبالتالي فلا رجاء لهم .
الأرض الشائكة
أولا : التفسير بحسب الكتاب
- " والمزروع بين الشوك هو الذي يسمع الكلمة ، وهم هذا العالم وغرور الغنى يخنقان الكلمة فتصير بلا ثمر ."( مت 13 : 22 ).
- " وهؤلاء هم الذين زرعوا بين الشوك : هؤلاء هم الذين يسمعون الكلمة ، وهموم هذا العالم وغرور الغنى وشهوات سائر الأشياء تدخل وتخنق الكلمة فتصير بلا ثمر ."( مر 4 : 18 و 19 ).
- " والذي سقط بين الشوك هم الذين يسمعون ، ثم يذهبون فيخنقون من هموم الحياة وغناها ولذاتها ، ولا ينضجون ثمرا ."( لو 8 : 14 ).
ثانيا : التعليق
هم هذه الشريحة من البشر ، التي تتخذ موقفا سلبيا بالكامل تجاه الكلمة المزروع في وعيهم ، فهم لا يهتمون بغير استحقاقات طبيعتهم الحيوانية ، فهم نفسانيون لا روح لهم . شهواتهم الطبيعية هي مركز وبؤرة اهتمامهم ، لذلك هم لا يثمرون للحياة ، اذ تختنق فيهم بذرة الكلمة ، فيموتون وفقا لطبيعتهم الفسدة .
5 - الثمر : ثلاثون وستون ومئة
أولا : لغة الأعداد والأرقام ، في الكتاب
- العدد : " اثنان " ، هو البطلان والنقض والنسخ ، فالعهد الثاني ( الجديد ) قد عتق الأول وأظهر الانسان غير قادر على الشركة في الله بواسطة ناموس موسى : " فاذ قال " جديدا " عتق الأول . وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال ."( عب 8 : 13 ).
- العدد : " ثلاثة " ، هو اعلان الوجود ، فالله يستعلن وجود ذاته ، سرمديا ، في شركة الثالوث الأقدس ، وهو أيضا ، بالنعمة قد أعلن ذاته في الوجود الانساني الجديد ، في المسيح ، كصورة للثالوث الأقدس .
- العدد : " خمسة " ، هو الفئة ، هو الجزء من الكل . فالحكمة هي صفة لفئة معينة هي الخمسة عذارى الحكيمات ، والجهل هو صفة لفئة معينة هي الخمسة عذارى الجاهلات ( مت 25 : 1 - 13 ).
- الرقم : " عشرة " ، هو الاجمالي ، هو الكل ، فالعذارى جميعهن عشرة .
- العدد : " ستة " ، باعتباره حاصل ضرب اثنين وثلاثة ، هو بطلان الاعلان ، هو الجهالة ، أو الوجود المجهل ، عير المعلن .
- العدد : " اثنا عشر " ، باعتباره حاصل ضرب اثنين وستة ، هو بطلان الجهالة ، لموجود ، فهو رقم التلاميذ الذين أقامهم الرب ليكونوا معه ( مر 3 : 14) ، وهو رقم الأسباط ، قديما . هو رقم المعية ( معية الرب ).
الرقم : " ثلاثون "
باعتباره حاصل ضرب خمسة وستة ، هو تلك الفئة ، أو الرافد من روافد الكنيسة ، الذي يجهل ذاته ، ككنيسة ، ويجهله الاخرون ، أيضا . هو البشر المختارون للشركة في المسيح ، من مختلف الأمم والثقافات ، دون أن تصلهم دعوة الكرازة . هم لم يطلق عليهم اسم المسيح ، في هذا العالم ، ولكنهم أرض جيدة أنبت فيهم الكلمة بذرته ، المغروسة في ناموسهم الطبيعي ، فكانوا ناموسا لأنفسهم (---) ، وحينما تتجلى الكنيسة ، في المجد الاتي يدركون أنفسهم كرافد من روافد الكنيسة ، ويدرك الرافدان الاخران ، وجودهم كرافد ثالث معهم .
الرقم ثلاثون يشير الى أحد ثلاثة روافد تمتلئ منها الكنيسة ، جسد المسيح ، وقد أطلقت عليه مصطلح : " رافد جهالة الكرازة " ، الذي يعبر عن مصطلح الأمم ، بمفهومه المطلق ، وليس بمفهومه التاريخي ( نسبة الى اليهود ).
الرقم : " ستون "
باعتباره حاصل ضرب خمسة واثنا عشر ، فهو تلك الفئة ، أو الرافد ، من روافد الكنيسة ، الذي يأتي من القدماء الراقدين ، من زمن ما قبل التجسد . هم كانوا في معية الرب ، سمعوا عنه ، أو عبدوه بطرق شتى ، ولكنهم ماتوا وفقا لطبيعتهم الفاسدة ، كبشر ، ولكن لحظة أن تجسد الكلمة ، اقتحم الجحيم وأطلقهم من أسر فنائهم وبعثهم من موتهم ، لذلك يدعوهم الكتاب بالراقدين ، فعمليا لم يكن موتهم الا بمثابة رقاد النوم .
الرقم ستون يشير الى أحد ثلاثة روافد تمتلئ منها الكنيسة ، جسد المسيح ، وقد أطلقت عليه مصطلح : " رافد عثرة الكرازة " ، اذا كان لابد لهم أن يبعثوا من موتهم باية تعبر بهم عثرة موتهم ، وقد كان لهم ذلك ، في المسيح ، بالتجسد.
الرقم : " مئة "
باعتباره حاصل ضرب عشرة وعشرة ، فهو رافد الكنيسة الذي يقبل فيه كل أفراده ، كل ما يخص الايمان بالمسيح ، انه رافد الكل في الكل .
الرقم مئة يشير الى أحد ثلاثة روافد تمتلئ منها الكنيسة ، جسد المسيح ، وقد أطلقت عليه مصطلح : " رافد دعوة الكرازة " . هذا هو رافدنا نحن أصحاب الدعوة والكرازة الرسولية ، الذين وصلت الينا دعوة الانجيل .
ثانيا : الأرقام الثلاثة ، مجتمعة
الأرقام الثلاثة تشير الى التركيب الثلاثي للكنيسة ، جسد المسيح ، وهي الثلاثية التي أشاراليها الرسول بولس :
" لأن اليهود يسألون اية ، واليونانيين حكمة ، ولكننا نكرز بالمسيح مصلوبا : لليهود عثرة ، واليونانيين جهالة ! وأما للمدعوين : يهودا ويونانيين ، فبالمسيح قوة الله وحكمة الله ." ( 1كو 1 : 22 - 24 ).
هذه هي الكنيسة ، حصاد الكون ، الذي خرج الزارع من أجله .
خلاصة
من أجل أن يستعلن الكلمة ذاته ، بالنعمة ، في انسانيتنا ، كثمرة أبدية لبذرته فينا ، فقد خلق الكون العظيم كطريق الى خلقة الانسان ، وقد هيأ من البشر شريحة ، صالحة لأن تتقبل أبديا الشركة في الكلمة ، المزروع فطريا في ناموسهم الطبيعي وفي وعيهم . هؤلاء هم أصحاب الأرض الجيدة ، المثمرة . ولكن هناك نوع ثان من البشر وهم سطحيو العلاقة بالكلمة . هؤلاء هم الذين قد ينتمون الى مؤسسة دينية ويتخيلون أن مجرد حفظ الناموس والوصية كفيل بأن يحقق العلاقة الصحيحة بالكلمة ، واذ ليس لهم أصل في ذواتهم وليس لهم عمق في الروح القدس ، فهم لن يثمروا للحياة ، اذ يرتدون الى موتهم الطبيعي . والنوع الثالث هو الذي يتبرأ تماما ، حتى على مستوى وعيه من الالتزام بأي علاقة مع الكلمة ، وذلك في سياق مركزيته حول ذاته وشهواته الحيوانية ، وبالتأكيد فلن يرث غير استحقاق ماقد اكتفى به ، أي موته الطبيعي.
هم ثلاثة شرئح للبشر . هم موجودون في كل زمان وكل مكان وكل ثقافة ، ولكن ثمر الأرض الجيدة ، المتواجدة وسط هذه الشرائح ، يصب في ثلاثة روافد ، تتكون من ملئها ، الكنيسة ، جسد المسيح ، ثمرة الكلمة المزروع في البشر .
مجدي داود