وكيل الظلم
( لو 16 : 1 - 13 )
الوكيل والوكالة
الوكيل ( oikonomos ) والوكالة ( oikonomia ) ، والكلمتان اليونانيتان تنتميان إلى الأصل : oikos ، الذي يعني " البيت "، وقديما إستخدمت " الايكونوميا " للتعبير عن إدارة ، أو تدبير ، شئون البيت ثم اتسع إستخدام الكلمة للتعبير عن إدارة الدولة ، وحديثا نحتت منها كلمة تعني أحد العلوم الحديثة : economy = علم الإقتصاد .
إستخدمت الايكونوميا ، في العهد الجديد للتعبير عن الخدمة ، كإدارة لبيت الله ، الكنيسة ، كإستخدام الرسول بولس ، في : 1 - " هكذا فليحسبنا الانسان كخدام المسيح ، ووكلاء سرائر الله ، ثم يسأل في الوكلاء لكي يوجد الانسان أمينا ."( 1كو 4 : 1 و 2 ). 2- " لأنه يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل الله ... لكي يكون قادرا أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبخ المناقضين ."( تي : 1 : 7 - 9 ).
وأما الإستخدام الكتابي الأعمق للكلمة ، في العهد الجديد - وتحديدا عند بولس الرسول - فيأتي للتعبير عن تدبير سر الخلاص الذي ظهر في المسيح ، الكلمة المتجسد :
- (... اذ عرفنا بسر مشيئته ، حسب مسرته التي قصدها في نفسه ، " لتدبير" ملء الأزمنة ، ليجمع كل شيء في المسيح ، ما في السماوات وما على الأرض ، في ذاك الذي فيه أيضا نلنا نصيبا ، معينين سابقا حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته ، لنكون لمدح مجده ، نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح .) ( أفس 1 : 9 - 12 ).
- (بسبب هذا أنا بولس ، أسير المسيح يسوع لأجلكم أيها الأمم ، إن كنتم قد سمعتم " بتدبير " نعمة الله المعطاة لي لأجلكم . أنه باعلان عرفني بالسر . كما سبقت فكتبت بالإيجاز . الذي بحسبه حينما تقرأونه ، تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح ."( أفس 3 : 1 - 4 ).
- ( ... وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده ، الذي هو الكنيسة ، التي صرت أنا خادما لها ، حسب " تدبير " الله المعطى لي لأجلكم ، لتتميم كلمة الله . السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال ، لكنه الان قد أظهر لقديسيه ، الذين أراد الله أن يعرفهم ما هو غنى مجد هذا السر في الأمم ، الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد .)( كو 1 : 25 - 27 ).
وهكذا يتجلى المضمون اللاهوتي ، الحقيقي ، للوكيل . وللوكالة ( الايكونوميا ). فالمسيح هو الوكيل الحقيقي ، الأمين ، المدبر لشئون البيت ، وهو البيت في ذات الوقت . هو بيت الاب ، الذي به منازل كثيرة ، والذي قد أعد فيه مكانا لكنيسته ، حتى ما يأخذها إليه ( يو 14 : 2 و 3). هو الوكيل ، ووكالته هي على كنيسته ، التي هي جسده . هو الوكيل وهو مال الوكالة ، بان واحد .
الوكيل والوكالة ، في المثل
الإنسان هو الوكيل ، في المثل ، ومال الوكالة هو وجوده الطبيعي . لم يكن الانسان مستحقا لهذا الوجود ، بل هو قد دعي إليه ، من العدم ، وصار وكيلا عليه . وقد كان من المأمول أن يكون الانسان وكيلا أمينا فيبقي الله في معرفته ، ويتدرج في هذه المعرفة الى أن يصل إلى الشركة في الكلمة ، فيأكل من شجرة الحياة . ولكن الإنسان سقط وفقد الطريق الصحيح الى إدارة وكالته ، فواجه طبيعته الفاسدة ، وإنحدر إلى الموت . هكذا بذر الانسان أموال وكالته .
وكيل الظلم و مال الظلم
هل من وسيلة لإنقاذ الموقف ، بعد أن افتضح موقف الإنسان ، بعد فشله في وكالته ، وقد بات هلاكه مؤكدا ، وقد سمع صوت الصدمة : " أعط حساب وكالتك لأنك لا تقدر أن تكون وكيلا بعد " ؟ . "ماذا يصنع الإنسان ؟ إنه لا يستطيع أن ينقب ويستحي أن يستعطي "، أي أنه ليس هناك من وسيلة لإجتلاب وجود ، من موجود اخر ، ولابد أن يستثمر مديوني سيده . هذا هو الحل !.
إذن ، إذا إستثمر الوجود الطبيعي - العتيق ، الفاسد - في ظهور الوجود الجديد عديم الفساد ، فهذا هو إستثمار لمال الظلم ، فهاهو الرب يخاطب الكنيسة ، التى قبلت بشارة الانجيل : " وأنا أقول لكم : اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم ، حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية ".
الوكيل ، في المثل هو وكيل الظلم ، لأنه أعطى ما لا يملك إلى من لا يستحق . وهذا الوكيل ، الذي إمتدحه الرب ، " إذ بحكمة فعل "، هو الإنسان المدعو للشركة في المسيح ، وما صنعه ، هو في الواقع عمل النعمة العجيب . فما عطية ، ما هو ليس مملوكا ، وما أخذ ، ما هو ليس مستحقا ، إلا وجها عمل النعمة . ففي المسيح يعطي الإنسان كيان وجوده العتيق - الفاسد بالطبيعة ، وهو كيان لا يملكه ، إذ قد أعطي له من العدم - ليموت مع المسيح ، فيقبل - في المقابل - وجودا جديدا ، وهو لا يستحقه ، إلا بالنعمة .
الإنسان ، بالنعمة ، يعطي وجوده البائد ، ليصلب مع المسيح ، فيأخذ وجوده الباقي إلى الأبد ، في المسيح . هو إستثمار ، إذن ، لذلك الذي هو هالك ، بطبيعته ، لحساب البقاء ، ومن ضيع فرصة إستثمار ، هذا الفاني ، وإحتفظ به ، فهو قد إحتفظ بفنائه ، لأن الرب ذاته يقول : " من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني . من وجد حياته يضيعها ، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها ."( مت 10 : 38 و 39 ).
المديونية
صكوك الدين ، في المثل ، هي مستحقة لحساب البقاء والحياة الأبدية ، في المسيح : " حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية ." والمديونية هي مديونية الحياة الأبدية ، التي من المفترض ومن المتعين ، أن يتم استيفاؤها عوضا عن صكوك دين طبيعتنا العتيقة .
في المسيح تستثمر أجسادنا الماتئة ، بأن تموت ، بالروح القدس ، مع المسيح ، فتحيا معه . هكذا يتم إستيفاء المديونية لأنه : ( إن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم ، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائت أيضا بروحه الساكن فيكم . فإذا أيها الاخوة نحن " مديونون " ليس للجسد لنعيش حسب الجسد . لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون ، ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون . "( رو 8 : 11 - 13 ).
مئة بث زيت و مئة كر قمح
الرقم : مئة
كنا قد تعرضنا في موضوع " مثل الزارع : قصة الخليقة "، المنشور على صفحات هذا المنتدى ، إلى دلالات الارقام في الكتاب المقدس - وأنصح بالعودة إلى الموضوع - وقلنا أن الرقم " مئة " يشير إلى رافد من ثلاثة روافد تملأ الكنيسة ، جسد المسيح ، وهو رافد أبناء دعوة الكرازة الرسولية ، الذين قد قبلوا بشارة الإنجيل .
الزيت والقمح
هما وجها المديونية ، التي يتم تسديدها، بالنعمة .
الزيت هو زيت المسحة ، مسحة الروح القدس . بالشركة في الروح القدس يموت العتيق ، بواسطة الفعل الناري للروح . هذا هو مايتم في المسيح ، الكلمة المتجسد ، رأس المسحة ، الذي فيه قد مسح الجميع : ( وأما عن الابن : كرسيك ياألله إلى دهر الدهور . قضيب إستقامة قضيب ملكك . أحببت البر وأبغضت الإثم . من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الإبتهاج أكثر من شركائك ."( عب 1 : 8 و 9 ).
القمح هو بنو الملكوت ( مت 13 : 38 ) ، هو الثمر . هو الوجود الجديد في المسيح . وإذا كان الزيت هو الوجه السلبي ، في تسديد المديونية ، أي موت العتيق ، فإن القمح هو الوجه الإيجابي ، أي ظهور الإنسان الجديد ، الروحاني ، عديم الموت .
في عبارة يوحنا الصابغ ، التي يشهد فيها للرب يسوع المسيح ، نجد رؤية شاملة للوجهين ، إذ يقول ، مخاطبا مريديه : ( أنا أعمدكم بماء للتوبة ، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني ، الذي لست أهلا أن أحمل حذاءه. " هو سيعمدكم بالروح القدس ونار" . الذي رفشه في يده ، وسينقي بيدره ، ويجمع " قمحه " إلى المخزن ، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ ."( مت 3 : 11 و 12 ) .
الرقم : خمسون
هو حاصل ضرب خمسة وعشرة . والعدد " خمسة " يعني ، في لغة الكتاب ، فئة نوعية معينة . والرقم " عشرة " يعني " الكل " . وبالتالي فإن الرقم "خمسين " - الذي يشير إلى إنتماء فئة معينة إلى الكل - يعني القسم أو الفرقة ، أو الجزء من الكل . ففي معجزة إكثار الخبز والسمك ، تم تقسيم الخمسة الاف رجل ، فرقا خمسين خمسين ( لو 9 : 14 ) و ( مر 6: 40 ) .
وعليه فإن الرقم "خمسين" ، الذي كتب في صك الزيت ، بدلا من المئة ، يشير إلى الوجه السلبي لإستيفاء أحد وجهي مديونية الإنسان . صك الخمسين بث ، زيت ، هو ذلك الفريق ، من البشر الذي إستثمر مال ظلم وجوده العتيق ، بأن مات مع المسيح ، بفعل الروح القدس ، أي الفريق الذي بالروح قد أمات أعمال الجسد - أي بذل مال الظلم - وليس مثل الفريق الاخر الذي عاش حسب الجسد ، فإستحق الهلاك وفقا لطبيعته الفاسدة .
الرقم : ثمانون
هو حاصل ضرب ثمانية وعشرة . والعدد " ثمانية " هو البداية الجديدة . فالذين كانوا بداية جديدة للوجود الإنساني ، قديما ، هم ثمانية ، كمثال للمعمودية ،كبداية للوجود الجديد ، في المسيح : " ... الذي فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التي في السجن ، إذ عصت قديما ، حين كانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح ، إذ كان الفلك يبنى ، الذي فيه خلص قليلون ، أي ثماني أنفس بالماء . الذي مثاله يخلصنا نحن الان ، أي المعمودية . " ( 1بط 3 : 19 - 21 ) . هو عدد المعمودية ، هو عدد البداية الجديدة . وحتى الرمز القديم الذي في الختان ، كان يتمم في اليوم الثامن ، إذ قد إختتن يسوع في اليوم الثامن ( لو 2 : 21 ) . أما الرقم " عشرة " ، فكما قلنا أنه يعني " الكل " ، أو الجميع ، أو الرقم الإجمالي .
وعليه فان الرقم " ثمانين " ، الذي كتب في صك القمح ، بدلا من المئة ، يشير إلى الوجه الإيجابي لإستيفاء أحد وجهي مديونية الإنسان . صك الثمانين كر ، قمح ، هو ذلك الوجود الجديد ، هو تلك البداية الجديدة التي أعطيت لكل الذين في المسيح - عوضا عن عتيقهم الفاني بالطبيعة ، أي عوضا عن مال الظلم - بعد أن جمعت حنطتهم في مخزن ابن الانسان .
أمانة وكيل الظلم
امتدح السيد ، في المثل ، وكيل الظلم . وأيضا طلب الرب يسوع من تلاميذه - وبالتالي من كنيسته - أن يتمثلوا بحكمة هذا الوكيل ، فيصنعوا لهم أصدقاء بمال الظلم ، أي يستثمروا ، بالنعمة ، وجودهم الطبيعي - الذي هو ليس لهم ، والذي هو فاسد بطبيعته - فيعطون وجودهم الجديد ، مقبولين في " المظال الأبدية " . هذه هي " الأمانة في القليل ، في مال الظلم ، والتي في مقابلها يؤتمنون على الكثير ، أي على الحق " . هذه الأمانة هي التي تجعلهم يستحقون سماع الصوت المفرح : " نعما أيها العبد الصالح والأمين ! كنت أمينا في القليل فأقيمك على الكثير . ادخل إلى فرح سيدك ." ( مت 25 : 21 ، 23 ) .
مجدي داود