المـأدبتــان
يقدم لنا الإنجيل صورة عقلية عن مأدبتين! الأولى أقيمت عندما قرر أحد الملوك الممتلئين من الخير والرحمة أن يقيم مأدبة كبيرة لعرس ابنه، وعندما جهزت المأدبة، لم يأتِ الناس الذين دعاهم الملك، لأنهم فضّلوا مشاغلهم على أن يلبوا دعوة الملك وفوق كل هذا قتلوا بعضاً من رسل الملك ومنهم من تهاون في المجيء: منهم من خرج إلى حقله ومنهم من خرج إلى تجارته، فعندما رأى الملك هذا غضب وعاقب هؤلاء معاقبة صارمة وأرسل خدماً ليجمعوا إلى المأدبة كل من يروه في الطريق فامتلأت قاعة العرس بالحاضرين وعندما جاء الملك إلى المأدبة وتجول بين المدعوين لاحظ أنَّ واحداً من الحاضرين لم يكن قد لبس لباساً يليق بهذه المأدبة فسأله الملك: كيف دخلت وأنت لم تلبس ما يليق بالعرس؟ فظل المدعو صامتاً وهذا الصمت يفسر بأنه احتقار وعدم رغبة بالمشاركة في العرس. كان في المأدبة كثير من الناس الذين تمت دعوتهم ولكن تبين أن قليلاً منهم قد بقوا في الداخل.
المأدبة الثانية لا تنتمي إلى الخيال والأمثال بل إلى الواقع. كانت المأدبة مقامةً من الظالم هيرودس، وفي هذه المأدبة نجد أن لا أحد من المدعوين قد رفض المجيء, وكلّهم قد لبسوا لباساً يليق بهذه المناسبة وأمتعوا أنفسهم بشكل كبير فيها. إن هذه الأمسية كانت مليئة بالسكر وبصخب عارم وإباحية كبيرة دون أن يشعر الحاضرون بتأنيب الضمير وفوق هذا كله ختمت هذه الحفلة بجريمة وحشية .. وهي قتل يوحنا المعمدان.
هذين المأدبتين هما صورة لطريقين في الحياة، كنوعين من الفرح، الأولى صورة للمأدبة والمتعة الروحية المقامة من الرب وهذه المأدبة هي لكنيسة المسيح ونحن مدعوون إلى هذه المأدبة عندما نشارك في الطقوس الكنسية وخاصةً عندما نتشارك في دم المسيح وجسده ونصنع العمل الصالح ونكون رصينين متيقطين. نرفض الذهاب إلى هذه المأدبة عندما لا نذهب إلى الكنيسة وعندما نعمل الشر بدل الخير وعندما نفضل الملذات الدنيوية على الخيرات السماوية.. عندما لا نأتي بملاس تليق بهذه المناسبة نأتي بشخص غريب عنا ممتلئٍ بالسرور وندخله في حياتنا (الشيطان)، كل واحد منا مدعو إلى هذه المأدبة عدة مرات في اليوم وفي كل مرة نرفض فيها هذه الدعوات نكون قد فضلنا الشهوة الجسدية والملذات الدنيوية على الخيرات والنعم السماوية. كل يوم يدعونا هيرودس إلى مأدبته ونحن نأتي إليها وغالبا دون أن ندري بأننا تحت إغواء الشيطان نذهب إليها. الخطيئة تبدأ بشيء صغير، هيرودس في البدء ابتهج بسماعه ليوحنا المعمدان وداخلياً أحسَّ بإثم أفعاله ولكنه لم يثر على خطيئته وانتهى به الأمر بقتل هذا القديس العظيم.
في كل مرة نذهب إلى مأدبة هيرودس القذرة والوسخة نختار عمل الشر بدلاً من فعل الخير وبكل سرور وتحجر القلب نختار أن ننسى أرواحنا وكياننا وهكذا دواليك...
عندما تبدأ في فعل خطيئة صغيرة – كما تراها أنت - سوف تجد صعوبة جمّة في إيقافها, ومع مرور الزمن إذا لم ندرك أنفسنا في الوقت المناسب ولم نكافح ضد نزواتنا وخطايانا ربما سوف نسقط في قبر الخطيئة والملذات وهناك سوف يكون العذاب الأبدي في انتظارنا.
حتى الآن القديس يوحنا المعمدان يدعو كلاً منا قائلاً "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات" نتوب، في رجاء التنعم وحصولنا على السعادة في مأدبة الحمل، كما يجب أن نقتل جذور الخطيئة فينا وبذلك نتنعم بالقصور الأبدية ولا نشارك مصير الشيطان في الجحيم.
عن كتاب: القديس يوحنا مكسيموفيتش, ترجمة ميلاد جبارة, منشورات مكتبة البشارة - بانياس, 2009