شبكة القديس سيرافيم ساروفسكي الأرثوذكسية

العودة   شبكة القديس سيرافيم ساروفسكي الأرثوذكسية > الدراسات الدينية > القديسون وآباء الكنيسة

التسجيل الرئيسية قانون صلاة youtube Facebook الأرشيف أيقونات التراتيل الفيديو التعليمـــات التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: هل قالَ المسيح "أْتُوا بِأعدائي إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي؟" (آخر رد :نوري كريم داؤد)       :: التقمص في المسيحية (آخر رد :ثيوفان الحبيس)       :: جمعيتا مار اليان الحمصي للرجال والسيدات بدمشق . (آخر رد :اليان خباز)       :: جمعية القديس بندلايمون للسيدات لتربية اليتامى. (آخر رد :اليان خباز)       :: تعازي جمعية اليقظة بالفقيد العظيم . (آخر رد :اليان خباز)       :: لقطات من حفل تشييع جنازة المثلث الرحمات بطريرك العرب الياس الرابع. (آخر رد :اليان خباز)       :: شموع لأجلك يا أمـــي سوريـــة من القدس الحبيبة. (آخر رد :اليان خباز)       :: خبر انتقال المثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع معوض (آخر رد :اليان خباز)       :: المسيحية والشرق الاوسط والعالم إلى أين أنتم ذاهبون؟ (آخر رد :Ibrahim 4 C)       :: كشهاب من السماء هوى صرح من صروح الأرثوذكسية الشامخة. (آخر رد :اليان خباز)       :: اليوم يشيَع البطريرك الياس الرابع في العاصمة السورية ( جريدة النهار ) . (آخر رد :اليان خباز)       :: المثلث الرحمات المتروبوليت أليكسي عبد الكريم مطران أبرشية حمص (آخر رد :اليان خباز)      

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 30-11-2009, 06:30 PM   #1
أخ مجتهد
 
الصورة الرمزية georges
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
رقم العضوية: 818
العمر: 27
المشاركات: 246
بمعدل: 0.12 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 georges is on a distinguished road



افتراضي يوحنا الدمشقي والدفاع عن الإيقونات المقدّسة

 

ليست الإيقونوغرافيا فنّاً فحسب، وإنّما هي عنصرٌ دينيٌّ هام، له مكانة كبيرة في الكنيسة الجامعة. فالإيقونات تشكّل امتداداً لأسرار الكنيسة المقدّسة، ينال المرء بتكريمها نعم السماء ومواهب لشفاء، ولها دورٌ تعليميّ هام في تلقين الإنسان مبادئ الكتاب المقدّس وتعاليمه الإلهيّة.
ولقد أحاطت الكنيسة البيزنطيّة الإيقونات المقدّسة بعطفٍ وشغفٍ واحترامٍ، تجلّى في العبادة الشعبيّة الحيّة في المعابد والمنازل وغير ذلك، وقد استند هذا الإكرام إلى الكتاب المقدّس وتعليم الآباء الشرقيّين القدّيسين وتعليم المجامع المسكونيّة ولا سيّما السابع. إلّا أنّ هذا الفن المقدّس واجه في القرنين السابع والثامن مرحلةً صعبة من تاريخه تجلّت بهرطقة محطّمي الإيقونات، التي لعب في اشتداد سعيرها عوامل عديدة، كمبالغة الشعب في إكرامها والنفوذ اليهودي والمسلم، ما أدّى إلى استشهاد الألوف من المؤمنين بعد معاناةٍ طويلة. ثمّ هدأت أعاصير هذه الهرطقة في سنة 842، فحدّدت الكنيسة معتقدها حول الإيقونات في المجمع المسكوني السابع (نيقية 787) ومجمع القسطنطينيّة (869).
في ظلّ أعمال الاضطهاد ضدّ الإيقونات، انتفض رجلات الكنيسة الأمناء ليدافعوا عن عقائدها وتعاليمها، فكان من بينهم القدّيس يوحنّا الدمشقي الذي كتب ضدّ هرطقات زمانه كلّها، النسطوريّة والطبيعة الواحدة والمشيئة الواحدة والمانويّة، وبدعة محطّمي الإيقونات التي فنّد مزاعمها وشرح عقيدة الكنيسة شرحاً كاملاً واضحاً، فأضحى مرجعاً أميناً وافياً ومُعيناً لاهوتيّاً حتّى يومنا هذا.
سنتكلّم هنا عن هرطقة محطّمي الإيقونات في القرن السابع، وردّ الدمشقي عليها، ودفاعه عن الإيقونة وشرعيّة وجودها.
حياته
هو منصور بن سرجون، ولد في دمشق حوالي سنة 660، من عائلة عُرفت بفضيلتها ومحبّتها للعلم. تلقّى تربية وثقافة عالية، فدرس الفلسفة اليونانيّة وطوّعها لإيضاح العقائد المسيحيّة. شغل جدّه وأبوه منصباً في إدارة أموال الخلفاء الأمويّين، وقد شغل هو العمل نفسه لمدّة من الزمن بعد وفاة والده، وأدار حسابات الجيش، فكان عند معاوية ومَن خلَفه وزيراً مطلقاً. سمّاه ابن العبري "كوريني بن منصور"، والكتبة الأقباط "ينح بن منصور"، وأبو الفرج الأصفهاني "ابن سرجون" . في سنة 720 تمّ إصدار قرار من الخليفة الجديد أن يُقصي المسيحيّون عن المناصب الإداريّة العليا، فغادر يوحنّا مسقط رأسه متّجهاً نحو القدس، فزار الأماكن المقدّسة، ثمّ التحق بدير القدّيس سابا حيث ترهّب قبله قزما أخوه بالتبنّي، ودرس فيه الكتاب المقدّس. رافق الدمشقي في الحياة الرهبانيّة بإرشاده ونصحه شيخ جليل بسيط، وهو راهب من نفس الدير انحنى يوحنّا له إجلالاً واحتراماً .
دافع ببسالة عن العقيدة الإيمانية، وعن الإيقونات المقدّسة، ولم يكتف بوضع المؤلّفات اللاهوتيّة، بل علّم شفهيّاً العقيدة المقدّسة، وكان مدرّساً بكل ما في الكلمة من معنى، فكان مستمعوه من الفتيان المثقّفين الذين دخلوا الدير يتذوّقون العلم والدرس، ويرغبون في تحسين معارفهم بعلوم أسمى وأوسع .
أمضى يوحنّا وقته في صومعته، يؤلّف الترانيم الدينيّة والمؤلّفات اللاهوتيّة، التي أوضح فيها العقائد الإيمانيّة ودافع عنها، وقد سيم كاهناً على يد البطريرك يوحنّا الخامس وذلك بعد رفضٍ منه.
توفّي حوالي سنة 749 في ديره، وانتشر عرف قداسته، فأخذ الشعب يكرمه لما قام به من بطولاتٍ ومؤلّفات، مازلنا نتغنّى بها إلى يومنا هذا في ليتورجيّتنا.
مؤلّفاته
برع يوحنّا على عدّة أصعدة ومن خلال عدّة مؤلَّفاتٍ، أهمّها:
1- الأعمال العقائديّة: كتاب ينبوع المعرفة، المدخل الأوّلي للعقائد، كتيِّب في العقيدة الحقيقيّة، مبحث في الثالوث الأقدس، بيان الإيمان القويم وشرحه.
2- الأعمال الجدليّة والدفاعيّة: بيان الإيمان الأرثوذكسي، مباحثه الثلاثة الدفاعيّة ضدّ الذين يحاربون الإيقونات المقدّسة، الحوار مع المسلمين.
3- الأعمال الزهديّة: الإزائيّة المقدّسة، بحث في الأرواح الشريرة الثمانية.
4- الأعمال التفسيريّة: تفسير رسائل القدّيس بولس.
5- المواعظ: ثلاث عشرة عظة، تسع منها فقط تُعَد أصليّة "عظة للتجلّي، التينة اليابسة، عظة ليوم السبت العظيم المقدّس، عظة عن مولد العذراء، ثلاثة لنيّاح السيدة، عظة تقريظيّة ليوحنّا الذهبي الفم، عظة تقريظيّة للقدّيسة بربارة".
6- أعماله الشعريّة والموسيقيّة والليتورجيّة: الشعر الكنسي، النغم الكنسي والموسيقا الكنسيّة.
ظهور الفن المقدّس
ظهرت الصور المقدّسة مع نشأة المسيحيّة، فرسوم الدياميس مثل السمكة والراعي الصالح والكرمة والحمامة والسفينة والصليب وغيرها. تشير إلى سرّ الفداء. في أواخر القرن الثالث نرى النموذج الأوّل لوجه السيد المسيح وهو النموذج الهلّيني، ثم في القرن الرابع ظهر النموذج السوري، إلى أن استقرت هيئة المسيح التقليديّة في أواخر القرن الرابع. مع انتصار المسيحيّة في عهد قسطنطين الأوّل سنة 313، استُخدم الفن التصويري بهدف تثقيف الشعب وتعليمه. ومع انتشار الكنيسة في العالم ازداد نشاط الفن المقدّس من أجل خلق إيقونوغرافية تعبّر بشكل أفضل عن عقيدتها .
إنّ فن الإيقونات هو من أهم الوسائل الفنيّة للتعبير عن العقائد والتعاليم المسيحيّة. والإيقونة كلمة يونانيّة تعني الصورة أو المثال، تمثّل شخصاً مقدّساً، مرسومة على الخشب، وفقاً لأساليب وتقاليد خاصّة تُظهر حالة أولياء الله النفسيّة، وهذا ما يفرض على الفنّان أن يطّلع تمام الاطّلاع على سيرة الشخص الذي يمثّله، وعلى أحداث الكتاب المقدّس وتعاليمه. إنّ الإيقونة حقيقة إلهيّة محسوسة تاريخيّة منورة بالنعمة، تباركها الكنيسة وتكسبها صفة سرّ من أسرارها .
هرطقة محطّمي الإيقونات
منذ القرون الأولى للمسيحيّة أخذ الجدل يدور حول الفن المسيحي، واشتهر به اكليمنضوس الاسكندري (150_ 216) وترتليانوس (160_ 240) وأوريجينوس (185_ 254)، وازداد مع ازدياد إكرام الإيقونات في القرنين السابع والثامن حتّى الإفراط والشطط، فوصل إيمان الشعب بالإيقونة إلى حدّ اعتبارها حقيقة إلهيّة حيّة تتكلّم وتعمل وتتنقّل، وقد اعتبر البعض الآخر بعض الإيقونات بأنّها من أصلٍ إلهيٍّ ولم تُصنع بيد بشر. حمل الطابع الشعبي الذي تميّز به ذلك الإكرام إلى عدم التمييز بين الصور وما كانت تمثّله، وبالتالي اجتياز الحدود الدقيقة الفاصلة بين الإكرام الحقيقي وعبادة الأصنام الخرافيّة. جاء هذا التطرّف في التفكير والتصرّف مع التوسّع العربي الإسلامي، الذي حمل الأفكار المناوئة للصور إلى داخل المملكة الرومانيّة وخارجها، ممّل أدّى لردّ فعل عنيف، تجلّى بهرطقة "محطّمي الإيقونات" (723_ 842)، كما لا بدّ من ذكر أنّ هذه العدائيّة ورثتها الكنيسة من اليهوديّة أيضاً، وتتأصّل على كلّ حال في الكتاب المقدّس نفسه (خر20: 4، 24: 12، 34: 1-5) .
ظهرت سنة 599 بوادر حرب ضدّ اإيقونات في مرسيليا، بدافع من أسقفها سيريون، الذي أمر بنزع كل ما في مدينته الأسقفيّة من صور وتدميرها، ممّا حمل البابا القدّيس غريغوريوس الكبير على توجيه اللوم له. وفي آخر القرن السابع أعلن مجمع أنترولّو المنعقد في القسطنطينيّة سنة 692، أنّ الصور المقدّسة جديرة بالاكرام والاحترام، وحرّم تصوير السيّد المسيح بشكل حمل، ورغب بتصويره كما ظهر للعالم. وفي سنة 730 انتقلت العدوى إلى القسطنطينيّة، فأصدر الملك لاون الثالث الإيصوريّ (716_ 741) مرسوماً ملكيّاً يقضي بعدم تكريم الصور المقدّسة وبتدميرها لأنّها وثن ترذله بصراحة الكتب المقدّسة، وحاول أن يستميل إليه البطريرك القدّيس جرمانوس وطلب منه أن يوقّع المرسوم ليكون ممهوراً من السلطتين الروحيّة والزمنيّة، فرفض هذا الأخير ممّا ادّى إلى إذلاله ونفيه، ونصّب الملك بدلاً منه انستاسيوس (730_ 753) الذي نزل عند رغبة الملك ووقّع المرسوم، فباشرت الحملة عند ذلك عملها التخريبي .
سنة 741 أعطى قسطنطين الخامس بعداً جديداً للصراع ضدّ الإيقونات، فقد أطلق حملة من الجدالات لإقناع العامّة بوجهة نظره، وأنشأ مقالة تبدو وكأنّها خلاصة للاعتقادات المناهضة للإيقونات. وفي سنة 754 عقَد محاربوا الإيقونة مجمع هييريا، بلوَروا فيه تفكيرهم الذي يقوم على عدم إمكانيّة الفصل بين طبيعتَي المسيح الإلهيّة والبشريّة، والتي تفعله الإيقونة برأيهم، إذ قالوا: "كل من يصنع صورة للمسيح، فإنّه يرسم اللاهوت الذي لا يمكن أن يتجسّد شكلاً، ويخلطه بالناسوت على مثال ما يفعل أصحاب الطبيعة الواحدة، أو أنّه يصوّر جسد المسيح كأنّه لم يُجعَل إلهيّاً.. " كما حرموا مؤيّدي الإيقونة ولا سيّما القدّيس يوحنّا الدمشقي، الذي قيل عنه بأنّه عدوّ الامبراطوريّة ومعلّم الكفر وموقِّر الصور .
فُقد على إثر هذه الهرطقة الكثير من التحف الفنيّة الرائعة، واستشهد ألوف من الرهبان والعلمانيّين، الذين عانوا ألوان العذابات والاضطهادات، إلى أن جاء المجمع المسكوني السابع، المنعقد في نيقية سنة 787، وأقرّ معنى الإكرام الواجب للإيقونة، فهي تكرَّم لما تمثّله، ومن يُكرِّم الإيقونات يُكرم الشخص الممثَّل بها.
يُقسَم هذا الصراع إلى حقبتَين: الحقبة الأولى بدأت سنة 775، عندما انتهى الاضطهاد بموت قسطنطين الخامس، وفي سنة 787 انعقد في نيقية المجمع المسكوني السابع، الذي عزّز شرعيّة الإيقونات ووضع حدّاً للحقبة الأولى من الحرب. الحقبة الثانية تمتدّ من سنة 813_ 842 تاريخ انتصار الرأي المستقيم نهائيّاً على هرطقة محطّمي الإيقونات.
دفاع القدّيس يوحنّا الدمشقي عن الإيقونة
نضاله

في النصف الأوّل من القرن الثامن انتهت مشكلة محاربة الأيقونات، ويعود الفضل في ذلك إلى القدّيس يوحنّا الدمشقي، اللاهوتي الأوسع نفوذاً في عصره. فقد توصّل إلى تقديم حجج المدافعين عن الصور في تعليم واضح وشامل، وهو الذي عرف كيف يشرح أنّ الأيقونات "عظاتٌ صامتة" و "كتابٌ للأميّين"، وهو الذي أقام صلة أساسية بين معنى الإيقونات ولاهوت التجسّد، وميّز العبادة والتعبّد الواجبَين لله وحده عن الإكرام الواجب للصور. وقصارى القول كان القدّيس يوحنّا الدمشقي، أحد كبار المدافعين الأوّلين عن الفن الديني .
لم يعاني الدمشقي من اضطهاد محطّمي الإيقونات، وذلك لأنّ المنطقة التي كان يعيش فيها لم تكن خاضعة لسلطة الامبراطور البيزنطي ولا للبطريرك القسطنطيني، كما أنّه توفّي قبل الاضطهاد العنيف على الإيقونات أيّام قسطنطين الخامس. لكنّه كان معنيّاً بالنزاع القائم، ولم يسكت عمّا يجري حوله من أحداث، فحاول التصدّي لمحاربي الإيقونات بلاهوتٍ مُحكَم السبك والإعداد، تجلّى في خطاباتٍ ثلاثة.
الخطابات الثلاثة
شكّل الخطاب الأوّل خلاصةً تفنّد المزاعم المناهضة للإيقونات، وتبرهن أنّ إكرامها إنّما هو تقليد مُحكَم التأسيس منذ البدء، ثمّ جاء الخطاب الثاني موضّحاً الأوّل ومكمّله حول الموضوع عينه، وفي أواخر حياته عاد القدّيس يوحنّا الدمشقي وكتب الخطاب الثالث مدعوماً بأدلّى أوفر وبزيادة ملحوظة على الخطابَين السابقين، وتنتهي الخطابات الثلاثة بسلسلة طويلة من أقوال القدّيسين المؤيّدة .
يروي القدّيس يوحنّا الدمشقي في خطبه الدفاعيّة كيف رأى الكنيسة التي بناها الله على أساس االرسل والأنبياء، والتي حجر الزاوية فيها هو المسيح ابنه، مرهقة تحت وطأة الزندقات والمعتقدات المتناقضة، ففكّر بأنّه من الحماقة أن يسكت ويلجم لسانه خوفاً أو رهبةً من أمر ما. هدفه من الكلام كما يقول ليس القضاء على الحقيقة، وإنّما مدّ يد العون لها.
-الإله المتجسّد هو من يصوَّر:
إنّ الشيطان يحاول أن يعكّر كنيسة المسيح، وذلك بدفعه للبعض لأنّ يقولوا إنّه لم يكن لازماً أن تُصوَّر عجائب المسيح وآلامه وأعمال القدّيسين الشُجاعة للناس، وذلك اعتماداً على العهد القديم الذي يحرّم الصور والمنحوتات. ولكنّ العهد القديم أصدر ذلك التحريم على المعذّبين بمرض عبادة الأوثان، الذين اعتبروا الأصنام آلهة وسجدوا لها، رافضين السجود للّه، ومطابقين مجده بالخليقة. كما أنّ ما يهمّ العهد القديم ليس الحرف بل معناه، ويجب التفتيش عن القصد منه. لقد وجّه موسى إيعاذات كثيرة إلى اليهود بسبب ميلهم إلى عبادة الأوثان، وأشار لهم بأنّه من المحال أن تُصنع صورة لله غير المتجسّم وغير المنظور، ولكن مع تجسّد الكلمة "الابن الوحيد الذي في حضن الآب." (يو1: 18)، أصبح بالإمكان التعبير عن الله بتصويره بالجسد، ذلك الجسد الذي اتّخذه لأجل خلاصنا . ويعبّر الدمشقي عن هذه الفكرة بقوله: "لم يتّحد الله بطبيعة الملائكة بل بطبيعة البشر، ولم يصير الله ملاكاً بل صار إنساناً حقّاً بالطبيعة. "
إنّ الجوهر اتّخذ له جوهراً من حشا امرأةٍ على حالٍ فائقة الجوهر، وهو الإله صار إنساناً وبقي كلَيهما معاً، ودون أن يبرح جوهر الألوهيّة. "قد اشترك في اللحم والدم." (عب2: 14) على غرار حالتنا.
-الدفاع عن المادّة:
يُكمِل الدمشقي دفاعه قائلاً: إنّنا نصوّر ما هو منظور من الله، يسوع المسيح، و"لا نسجد للمادّة بل لخالق المادّة، الذي صار مادّة من أجلنا، وقَبِل أن يعيش في المادّة ليخلّصنا بها "، والمادّة ليست شائنة كما يقول عنها المانويين، إذ أتت من الله، وكل ما يأتي من الله هو خير. كما أنّ الكتاب المقدّس مليء بالشواهد التي تدلّ على جواز استعمال المادّة لصناعة الصور والأمور التقويّة والدينيّة كالتقدمات (خر31: 1-6، 35: 4-11، 39: 6، 39: 14).
إنّ العبادة بالنسبة للقدّيس يوحنّا الدمشقي لا تؤدّى إلّا لله الذي هو وحده جديرٌ بالعبادة، أمّا السجود فيجوز للمواضيع التي يستريح فيها الله القدّوس وحده، نظير والدة الإله وجميع القدّيسين، إذ إنّهم يحملون في ذواتهم من يستحقّ له السجود، فيُسجَد لهم لأنّ الله مجّدَهم ولأنّ الله هو نفسه من يُخدَم. كما يجوز السجود أيضاً لأدوات الخلاص كمذود بيت لحم وجبل الجلجثة وخشبة الصليب والمسامير والقبر المقدّس وغير ذلك، ويأتي هذا السجود لكلّ هيكلٍ مقدّسٍ لله ولكلّ ما قد تكرّسَ باسمه، لأنّ الله قد ارتضى أن يُنجِز خلاصنا بواسطتها وفيها. ويجوز السجود أيضاً للأشياء المقدّسة التي تكرّست لله كالأناجيل وسائر الأسفار، والسجود لبعضنا البعض لأنّنا فروع الله المصنوعين على صورته .
الصورة الرمزيّة للحقائق غير المنظورة:
إنّ الله هو أوّل من صنع صورة، إذ صنع الإنسان على صورته كمثاله، وإنّ الإكرام المؤدّى للصور يرتقي إلى مثالها الأصلي كما يقول باسيليوس الإلهي. هذا وإنّ للصورة بحدّ ذاتها فائدةً جمّى للمؤمنين، فما هو الكتاب المقدّس بالنسبة للمثقّفين، تكونه الإيقونة بالنسبة إلى الأميّين.
يقول الدمشقي في خطابه الثالث: "توجد صور الأمور غير المنظورة والمجرّدة من الهيئة، والتي تصوَّرت جسمانيّاً حتّى تُدرَك." فالكتاب المقدّس يستعمل صوراً ليتكلّم عن الله والملائكة، والسبب في ذلك هو التماثل معنا، إذ أنّنا عاجزون عن بلوغ التأمّل دون وسيطٍ حسّيٍّ. فتكون الخلائق واسطةً لنا ترشدنا بطريقةٍ غامضةٍ إلى مدلولاتها الإلهيّة، كأن نقول بأنّ الثالوث القدّوس يمثَّل بالشمس والنور والأشعّة، أو بالينبوع والماء الجاري ومصبّ النهر، أو بشجرة الورد وزهرتها وعطرها.
-شرعيّة صور القدّيسين:
يجد القدّيس يوحنّا الدمشقي أنّ من يقول بصناعة صورة للمسيح أو لوالدته والاكتفاء بها بأنّه مثيرٌ للسخرية، إذ إنّه لا يمسّ صناعة الصور بل يمسّ إكرام القدّيسين، وهذا ما لم يجرؤ أحدٌ منذ الدهور على فعله أو تعهّده. "أنا حي، يقول الربّ، وأمجّد الذين يمجّدوني." (اصم2: 30)، فالقدّيسون يصبحون شركاء في الألوهة، كما يقول الرسول بولس: "إن كنّا نتألّم معه فلكي نتمجّد أيضاً معه." (رو8/ 11)، وأيضاً يقول الرسول يوحنّا: "لأنّنا سنكون أمثاله." (1يو3: 2)، وعليه وجب إكرامهم وصناعة الصور لهم، كما للمسيح والعذراء مريم، فمن لا يُكرم الصور لا يُكرم القدّيسين .
ثم إنّ الصور المقدّسة تأتي شرعيّتها من كونها ينبوع أشفيةٍ روحيّة وجسديّة للمُقبلين إليها بإيمانٍ، فكما أنّ من يُقبِل إلى الله ينال شفاءه بواسطة الرسل إذ كان ظلّ الرسل يُفيض الأشفية، وكذلك مناديلهم وملابسهم، كذلك من يأتي إلى الصور المقدّسة ينال النعم والأشفية.

لقد أبدى القدّيس يوحنّا الدمشقي غيرةً لا تَعرف مللاً ولا تعباً في الدفاع عن إكرام الصور والذخائر المقدّسة، فخاض هذا الموضوع بحماسةٍ وبلاغةٍ وعلمٍ زاخر، وبيّن وجه الصواب فيه، وحدّد بدقّة المسائل المتعلّقة بهذا الموضوع الدقيق، ولا تزال الكنيسة حتّى الآن تعتمد بهذا الشأن تعليمه.








التوقيع
من لا يحبّ لا يعرف الله، لأنّ الله محبّة
georges غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأرثوذكسية واللاخلقيدونيون بحسب القديس يوحنا الدمشقي Nicolaos المسكونيات والتاريخ الكنسي 15 11-06-2014 09:06 PM
أبينا الجليل في القدّيسين يوحنا الذهبي الفم رئيس أساقفة القسطنطينية Abdallah Saad القديسون وآباء الكنيسة 1 12-11-2010 08:37 PM
عائلة يوحنا الدمشقي ومكانتها في الدولة الاموية الاسلامية الأب باسيليوس محفوض المسكونيات والتاريخ الكنسي 1 29-11-2009 11:02 PM
احتفالية القديس يوحنا الدمشقي في البلمند Nicolaos إعلانات و اخبار الشبكة 4 18-11-2009 07:29 PM
محاضرة د.جوزيف زيتون عن كنيسة الصليب بدمشق اليان خباز أخبار من كنيسة أنطاكية 0 21-10-2009 06:31 PM


الساعة الآن: 10:16 PM


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
إدارة الشبكة غير مسؤولة عن محتويات الموضوعات المنقولة من مواقع أخرى و التي يشارك بها الأعضاء
Protected by CBACK.de CrackerTracker