شبكة القديس سيرافيم ساروفسكي الأرثوذكسية

العودة   شبكة القديس سيرافيم ساروفسكي الأرثوذكسية > القسم الديني > المنتدى الديني العام

التسجيل الرئيسية قانون صلاة youtube Facebook الأرشيف أيقونات التراتيل الفيديو التعليمـــات التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: الكبرياء : مقال لمثلث الرحمات البطريرك الشهيد القديس الياس الرابع. (آخر رد :اليان خباز)       :: الآلام ـ لمثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع (آخر رد :اليان خباز)       :: إِلاهُنا سماويُّ لهُ ألتكبير وإِلاهكم أرضيُّ صغير (آخر رد :نوري كريم داؤد)       :: جمعية القديس جاورجيوس الأرثوذكسية بدمشق (آخر رد :اليان خباز)       :: الأرثوذكسية ـ للبطريرك الياس الرابع (آخر رد :اليان خباز)       :: صورة أم أيقونة ؟ (آخر رد :إياد)       :: مقال عن الصوم لمثلث الرحمات البطريرك الشهيد القديس الياس الرابع . (آخر رد :اليان خباز)       :: بطريرك العرب الياس الرابع في مؤتمر القمة الإسلامي ـ لاهور شباط 1974 . (آخر رد :اليان خباز)       :: التواضع الكبير للمطران الياس معوض، متروبوليت حلب وتوابعها. (آخر رد :اليان خباز)       :: ذكراك أيها الرومي خالدة في قلوبنا (آخر رد :اليان خباز)       :: من أنتَ؟ وكيف سنُدركَ عظمة كينونةِ لاهوتِكَ يا ألله؟ (آخر رد :نوري كريم داؤد)       :: هل قالَ المسيح "أْتُوا بِأعدائي إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي؟" (آخر رد :نوري كريم داؤد)      

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 07-04-2010, 07:25 PM   #1
أخ نشيط
 
الصورة الرمزية Salwa
 
تاريخ التسجيل: May 2009
رقم العضوية: 1137
المشاركات: 82
بمعدل: 0.04 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 Salwa is on a distinguished road



افتراضي الموت والقيامة - المطران كاليستوس وير

 

في طقس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية, تبقى أبواب الأيقونسطاس الوسطية مغلقة خلال تلاوة الصلوات التي تسبق مباشرة بدء القداس الإلهي أو الإفخارستيا. وعندما يبدأ القداس الإلهي تُفتح الأبواب ويظهر الهيكل للعيان ويعلن الكاهن المباركة الأساسية. هذه اللحظة الهامة والأساسية يذكرها القديس يوجين تروبتسكوي (1861 – 1920) – وهو فيلسوف ديني روسي – في كلماته الأخيرة وهو على فراش الموت بقوله: "فُتحت الأبوبا الملكية! سيبدأ القداس الإلهي". لم يكن الموت بالنسبة إليه باباً يغلق بل باباً يُفتح؛ لم يكن الموت نهاية بل بداية. وشأن المسيحيين الأوائل , رأى هذا القديس موته أنّه يوم مولده.

إنّ وجودنا البشريّ أشبه بكتاب: فمعظم الناس يعتبرون حياتهم ههنا بمثابة النص الفعلي والرواية الرئيسة؛ إذ يرون الحياة المستقبليّة – ولا نعلم إلى أي حدّ يؤمنون بواقعيتها – مجرّد ملحق بسيط. أما الموقف المسيحيّ الحق فهو عكس ذلك تماماً. إذ إن الحياة الراهنة ليست في الحقيقة إلّا التمهيد للكتاب أو مقدّمته؛ أما الحياة المستقبليّة فهي الرواية الأساسيّة. ليست لحظة الموت خاتمة الكتاب, بل هي بداية فصله الأول.

في ما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة لا بذّ من التذكير بأمرن بديهيّين ننساهما بسهولة فائقة: أولاً, الموت واقع محتوم لا مفرّ منه؛ ثانياً, الموت سرّ. لذا يجب علينا أن ننظر إيه بمشاعر متناقضة ورزانة وواقعية, من جهة, وخشية وانبهار, من جهة أخرى.

في هذه الحياة, لا يمكننا التيقّن إلا من شيء واحد وهو أننا سنموت كلنا يوماً ما, إلا إذا صادف حلول المجيء الثاني قبل أن نموت. الموت هو الحدث الوحيد المحدّد الذي لا مناص منه, وإذا حاولت أن أنساه وأن أخفي على نفسي طابعه المحتوم فلن يكون نصيبي إلا الخسارة. والنزعة الإنسانية الحق لا يمكن أن تنفصل عن وعي الموت؛ إذ فقط بمواجهة الموت الآتي وقبوله يمكنني أن أصبح بحق كائناً حيّاً. وقد أشار إلى ذلك د.ه. لورانس بقوله: "نغمة الحياة باهتة وسخيفة في غياب نغمة الموت". إذاً, بتجاهلنا بُعد الموت نجرّد الحياة من عظمتها الحقيقية.

لقد عبّر الميتروبوليت أنطوني بلوم (أسقف سوروج) عن ذلك بقوة قائلاً: " الموت هو حجر الزاوية بالنسبة إلى موقفنا من الحياة. فالذين يخشون الموت يخشون الحياة أيضاً. إذ من المستحيل ألا نشعر بالخوف من الحياة بكلّ تناقضاتها وأخطارها إذا كنا نخشى الموت. (... ) فبما أننا نخشى الموت, لن نكون مستعدين أبداً للمخاطرة القصوى, بل سنمضي حياتنا بجبن وحذر وخجل. فقط بمواجهتنا الموت وتحديقنا به, وبإعطائنا إيّاه المعنى الذي يستحقّه وتحديد المكانة التي تناسبه ومكاننا نحن بالنسبة إليه, نستطيع أن نعيش من دون خوف, مستنفدين طاقاتنا إلى أقصى حدّ".

يبقى مع ذلك, أن واقعيّتنا وتصميمنا على إعطاء الموت معناه يجب ألّا يجعلانا نحجّم الحقيقة الثانية ألا وهي الطابع الغامض للموت. فعلى الرغم من كل ما تعلّمنا إيّاه تقاليدنا الدينية المختلفة, نحن لا نفهم أي شيء حول "هذه البلاد المجهولة التي لا يعود منها أيّ مسافر ...". صحيح أن الخوف من الموت, كما يقول هاملت, "يربك الإرادة"؛ لذلك علينا أن نقاوم تجربة المغالاة في البحث والإفراط في الكلام. يجب ألا نسخّف الموت. فهو بالطبع واقع محتوم لا مفرّ منه ولكنه, في الوقت ذاته, ذلك المجهول الكبير.

يعبّر القديس إسحق السرياني (القرن السابع) عن الموقف الواقعيّ الرزين الذي يجدر بالإنسان أن يتّخذه حيال الموت بقوله: :"ضع في قلبك أيها الإنسان فكرة أنك سترحل فقل لنفسك باستمرار "ها هو الملاك الذي أتي ليصطحبني واقف عند الباب. فلِمَ أنا واقف هنا لا أفعل شيئاً؟ إن رحيلي مؤبّد؛ ولن أعود". أمضِ الليلة تفكر على هذا النحو وتأمّل بهذه الفكرة النهار كلّه. وعندما تأتي ساعة الرحيل استقبلها بفرح قائلاً "تعالي بسلام! كنت أعلم أنك ستأتين وأنا لم أهمل أيّ شيء يمكن أن يفيدني في طريقي".

في ما يتعلّق بمكانة الموت في حياتنا وموقفنا منه, لا بدّ من أن نفكر بأمور ثلاثة: أولاً, أن الموت أقرب إلينا مما نظنّ؛ ثانياً، أنّه غير طبيعيّ بشكل عميق جداً ومناقض للخطّة الإلهية مع أنّه هبة من الله؛ وأخيراً أنه انفصال ولكنّه، واقعياً, ليس كذلك.

ليس الموت مجرّد حدث بعيد يأتي ليختم وجودنا الأرضي، بل هو حقيقة راهنة لا تنفكّ تحدث فينا ومن حولنا. فالرسول بولس يقول "أواجه الموت كل يوم" (1كو15: 31). ويضيف س. إيليوت مؤكداً ذلك, بقوله إن "وقت المةت هو كلّ لحظة". كل شيء تدبّ فيه الحياة إنما هو شكل من أشكال الموت؛ فنحن نموت باستمرار. لكن في هذه الخبرة اليومية للموت نجد أنّ كل موت تعقبه ولادة جديدة إذ إن كل موت هو أيضاً شكل من أشكال الحياة. فالحياة والموت ليسا متناقضين, ولا يُبطل أحدهما الآخر بل هما مترابطان. ووجودنا البشريّ هو مزيج من موت وقيامة. "مائتين وها إننا أحياء" (2كو 6: 9) يقول القديس بولس. إن رحلتنا في هذا الأرض فصح مستمرّ وعبور مستمرّ من الموت إلى حياة جديدة. وبين ولادتنا الأولى وموتنا النهائي, تتألف مدّة وجودنا بأسرها من سلسلة من الميتات والولادات الصغيرة".

كلّما خلدنا إلى النوم عند حلول المساء, نتذوّق الموت بشكل مسبق, وكلما استيقظنا في صباح اليوم التالي, نذوق القيامة من بين الأموات. تقول إحدى العبارات اليهودية التي تستخدم للمباركة: "مبارك أنت أيها الرب إلهنا ملك الكون, إنك تخلق عالمك في كل صباح". والأمر ذاته ينطبق علينا أيضاً: ففي كل صباح, عند نهوضنا من النوم, نكون وكأننا خلقنا من جديد. وربما يكون موتنا النهائي, على هذا النحو أيضاً, "إعادة خلق", أي نوم يعقبه نهوض. نحن لا نخشى الخلود إلى النوم في كل ليلة لأننا نعلم أننا سنستيقظ مجدّداً في صباح اليوم التالي. ألا يمكن أن نواجه بثقة مماثلة نومنا النهائي في الموت؟ ألا يمكننا أن نترقب استيقاظنا مرة أخرى عندما يخلق الله مجدداً الأبدية؟

إن نموذج الموت – الحياة هذا يتجلّى أيضاً في مسيرة نموِّنا ولكن بفرق بسيط. ففي كل مرحلة من مراحل حياتنا, يجب أن يموت شيء مما فينا لكي نستطيع العبور إلى المرحلة التالية من الحياة. إنّ العبور من مرحلة الرضاعة إلى الطفولة ومن الطفولة إلى المراهقة وثم من المراهقة إلى البلو والنضج يستتبع في كل مرة, موتاً داخلياً يسمح بولادة شيء جديد. فهذه الانتقالات, وبشكل خاص الانتقال من الطفولة إلى المراهقة, يمكنها أن تسبب أزمة حادة ومؤلمة في بعض الحالات. لكن, إن رفضنا ضرورة الموت في هذه المرحلة أو تلك, فلا يمكننا بالتالي أن نتطور لنصبح أشخاصاً بكل ما للكلمة من معنى, وسنصبح, كما كتب جورج مكدونالد في روايته "ليليت", أمواتاً ما دُمنا نرفض الموت. إن الموت هو الذي يخلق فينا إمكان ظهور جديد؛ فبدون الموت لن يكون هناك حياة جديدة.

إذا كان العبور إلى سنّ البلوغ هو شكل من أشكال الموت, فإن الأمر كذلك أيضاً بالنسبة إلى الرحيل أو الانفصال عن مكان أو شخص قد أحببناه. هذه الانفصالات ضرورية لنموّنا المستمرّ باتجاه النضج. فإذا لم تكن لدينا الشجاعة لترك بيئتنا المألوفة والانفصال عن أصدقائنا الحاليين لنقيم علاقات جديدة, فلن نحقق أبداً كل ما نملكه, أي كامل قدرتنا الكامنة في داخلنا. إن تعلّقنا الطويل الأمد بما هو قديم يجعلنا نرف الدعوة إلى اكتشاف الجديد. وأجدني أردّد في هذا الصدد ما جاء على لسان سيسيل داي لويس: التفرّد يبدأ بالرحيل, والشهادة للحبّ لا تتحقّق إلّا بإطلاق الآخر وإعطائه حريّته".

يُتبع








التوقيع
أيها المسيح, و إن كان قد قُبض عليك من رجالٍ متعدين الناموس , إلا أنك لم تزل إلهي , و لهذا لست أخزى. و إن جُلدت بالسياط على ظهرك فلن أجحد , أو سُمّرت على الصليب فلا أُخفي ذلك , كوني بقيامتك أفتخر , لأن موتك هو حياتي أيها الكلي الإقتدار و المحب البشر , يا رب المجد لك.

Salwa غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 13-04-2010, 08:35 PM   #2
أخ نشيط
 
الصورة الرمزية Salwa
 
تاريخ التسجيل: May 2009
رقم العضوية: 1137
المشاركات: 82
بمعدل: 0.04 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 Salwa is on a distinguished road



افتراضي

 

ثمة نوع آخر من الموت علينا أن نواجهه جميعاً في يوم من الأيام, وهو خبرة الرفض؛ كشعورنا بالرفض لدى تقدّمنا إلى وظيفة ميعنة. فكم من طلاب المدارس وخرّيجي الجامعات ينبغي لهم اليوم اختبار هذا الشكل المحدد من أشكال الموت! وهناك أيضاً الرفض في العلاقات الحميمة أو الحبّ: شيء ما يموت فعلياً فينا عندما نشعر بأن حبنا بقي من دون جواب, وأن شخصاً آخر مضّل علينا. غير أ، هذا الموت يمكنه أن يكون مصدر حياة جديدة. يجد العديد من الشباب أن الفشل في الحب هو بداية النضج والتدرب على حياة الراشدين. فالحزن على ميت أو فقدان شخص محبوب يسبب موتاً في قلب الشخص الذي يبقى. ويخالجنا أيضاً الشعور بأن جزءاً منا لم يعد موجوداً وبأننا فقدنا أحد أعضائنا. لكن عندما تتم مواجهة الحزن وقبوله داخلياً يصبح كلٌّ منا حياً وناشطاً أكثر من ذي قبل.

يجد العديد من المؤمنين أن موت الإيمان – أي فقدان اليقين (على الأقل ظاهرياً) العميق بالله وبمعنى وجوده – يسبب هو الآخر صدمة لا تقلّ أهمية عن التي يسبّبها فقدان صديق أو شريك الحياة. لكنّ هذا الأمر هو أيضاً خبرة موت – حياة علينا المرور بها لكي ينضج إيماننا. فالإيمان الأصيل هو الحوار المستمرّ مع الشكّ. إنّ الله يتخطّى, بشكل تامّ, كل مايمكن أن نقوله عنه, فالأجدر بنا أن نحطّم كل مفاهيمنا الذهنية لأنّها أصنام. ولكي يكون إيماننا حيّاً, لا بد أن يعرف الموت باستمرار.

في كل الحالات التي ذكرناها, يتضح لنا أن ليس للموت طابع هدّام, بل طابع خلّاق. فمن الموت تأتي القيامة والشيء الذي يموت يولد من أجل الحياة. أوَليس الموت الذي يوافينا في نهاية حياتنا الأرضية من هذا النوع عينه؟ أليس هو الموت – القيامة النهائيّ والأروع من كل الميتات والقيامات التي عرفناها منذ ولادتنا؟ الموت هو التعبير الأعمّ والأكمل عن كلّ ما عشناه خلال حياتنا. فإذا كانت الميتات الصغرى التي خبِرناها في حياتنا قد أوصلتنا في كل مرة إلى ما هو أسمى من هذه الحياة, أي إلى القيامة, فلماذا لا تكون هذه أيضاً الحال بالنسبة إلى لحظة الموت الكبرى عندما يحين الوقت لمغادرة هذا العالم؟

لكن ليس هذا كل شيء. فبالنسبة إلينا نحن المسيحيين, إن نموذج الموت – القيامة هذا,الذي يتكرر إلى ما لانهاية في حياتنا, يتّخذ أعمق معنى له في حياة مخلصنا يسوع المسيح وموته وقيامته. إن تاريخنا نحن ينبغي أن يُفهم على ضوء تاريخه الذي نحتفل به كلّ سنة في أسبوع الآلام المقدسة العظيم, وفي كل يوم أحد في القداس الإلهي. فكل ميتاتنا وقياماتنا الصغرى متّحدة عبر التاريخ بموت الرب وقيامته, وأعيادنا الفصحية الصغرى تسمو وتتثبّت مجددا من خلال فصحه الأكبر. نجد, في خدمة القداس الإلهي بحسب القديس باسيليوس الكبير, أن موت المسيح هو "يعطي الحياة". وكون المسيح هو مثالنا المُحتذى, نعتقد أن موتنا نحن يستطيع أن يكون أيضاً موتاً "يعطي الحياة". فالمسيح رائدنا وباكورتنا. هذا ما تؤكده الكنيسة الأرثوذكسية عشية الفصح في العظة المنسوبة إلى القديس يوحنا الذهبي الفم (القرن السادس): "لا يخشينّ أحد الموت لأن المخلّص حرّرنا منه؛ فقد أباده بعد أن ذاقه (...) المسيح قام وملكت الحياة. المسيح قام ولا ميْتَ في القبر".

إذاً, الموت يرافقنا في حياتنا كخبرة يوميّة دائمة تتكررى غلى ما لا نهاية. لكنّ الموت يبقى, على الرغم من ذلك ومهما بدا مألوفاً غير طبيعيّ في العمق. فالموت لا يدخل في إطار الهدف الذي وضعه الله لخليقته منذ الأزل. إذ إن الله لم يخلقنا لكي نموت بل لكي نحيا؛ وأكثر من ذلك, الله خلقنا وحدة غير منقسمة.فمن المُنطلقيْن اليهودي والمسيحي, يجب أن تكون نظرتنا إلى الإنسان نظرة كليّة لا جزئية: نحن لسنا روحاً محبوسة مؤقتاً في جسد يتوق إلى الخروج منه, بل نحن كيان متكامل يشمل الجسد والروح معاً. وقد شدد كارل غوستاف يونغ, عن حقّ, على ما سمّاه "الحقيقة الغامضة" بقوله: "إن الروح هو الجسد الحيّ المرئي من الداخل, وأما الجسد فهو التعبير الخارجي عن الروح الحي- وكلاهما واحد في الحقيقة". فإذا اعتبرنا الموت انفصالاً للروح عن الجسد, نكون متعدّين على وحدة الطبيعة البشرية.

إذا كان الموت مصيراً ينتظرنا جميعاً, فهو أيضاً أمر غير طبيعيّ, لا بل وحشيّ ومأساوي. فأمام موت أقربائنا وموتنا نحن, هناك دوماً تبرير لمشاعر يأسنا ورعبنا وحتى تمرّدنا على هذا الواقع, مهما كنا واقعيين. يقول الشاعر ديلان توماس:"لا تدخلوا بصمت في هذا الليل الصالح. ثوروا واعصفوا ضد احتضار النور". ويسوع نفسه بكى أمام قبر صديقه لعازر (يو11: 35) وشعر بالحزن والكآبة في بستان الجسمانية من جراء التفكير بموته القريب جداً (متى26: 38). كما أن القديس بولس يعتبر أن الموت عدو يجب القضاء عليه (1كو15: 26) ويردّه إلى الخطيئة مباشرة بقوله : "إنّ شوكة الموت هي الخطيئة" (1كو15: 56). فكوننا نعيش كلّنا في عالم ساقط, عالم منحرف, مفكّك, مجنون, ومحطّم, فإنّنا سنموت.

لكنّ الموت المأساوي هو في الوقت ذاته بركة. ذلك أنّ الموت, جزء من المخطّط الإلهي, يبقى هبة من الله وتعبيراً عن محبّته ورحمته. فلو قيّض لنا نحن البشر أن نعيش في هذا العالم الساقط إلى ما لا نهاية, أسرى حلقة الملل والخطيئة المفرغة, لأضحى هذا العيش قدراً مرعباً يصعب احتماله. لهذا قدّم لنا الله الموت مخرجاً. فالموت يحلّ اتّحاد الرّوح بالجسد لكي يستطيع بالتالي أن يُتحدهما مجدّداً ويعيدهما إلى ملء الحياة في قيامة الأجساد في اليوم الأخير. إن الموت أشبه بالخزّاف الذي تحدّث عنه النبي إرمياء بقوله: "فنزلت إلى بيت الخزّاف فإذا هو يعمل على المخرطة, فحصل عطل في الإناء الذي كان الخزّاف يصنعه من الطين في يده, فعاد وصنعه إناءً آخر كما حَسُنَ في عينيه أن يصنعه" (إر18: 4-5). فالخزّاف الإلهي يضع يده على الآنية الفخّارية التي تحوي بشريّتنا والتي شوّهتها الخطيئة فيكسرها لكي يستطيع أن يعيد صناعتها مرة أخرى ويمنحها عظمتها الأصليّة. بهذا المعنى يكون الموت هو الآلة التي التي تعيدنا إلى الحالة الأصلية. وكما ترتل الكنيسة الأرثوذكسية في خدمة الجناز: "يا من في القديم من العدم جبلتني ... لتتجدّد فيَّ صورة الجمال القديم". من هذا المنطلق, ألّف بنيامين فرانكلين نصّاً أراد أن يُحفر على قبره يقول: "هنا بنيامين فرانكلين, ناشر الكتب, طعاماً للديدان, كغلاف كتاب قديم. لكنه يؤمن بأن عمله لن يضيع, فهو سيظهر مرّة أخرى, في نسخة جديدة أبهى من سابقتها, مصحّحة ومعدّلة على يد مؤلفها!".

هناك إذاً جدليّة في موقفنا من الموت: لكنّ المقاربتين لا تتناقضان في نهاية المطاف. نحن نعتبر الموت أمراً غير طبيعي, غير مألوف, مضاد لخطة الخالق الأصليّة, وترانا نثور في وجهه بألم ويأس. لكنّنا نعتبره أيضاً جزءاً من الإرادة الإلهية, أو نعمة لا عقاباً. فالموت هو مخرج لمآزقنا أيضاً, أو قُل هو الباب الذي يؤدي إلى إعادة خلقنا. الموت هو طريق عودتنا. وأورد هنا مرّة أخرى مقطعاً من رتبة الدفن الأرثوذكسية يقول: "أنا الخروف الضالّ: فادعُني يا مخلص وخلِّصني". إنّنا نقترب إذاً من الموت بعجل ورجاء, مردّدين مع القديس فرنسيس الأسيزي: "ليتمجّد الربّ فقد أوجد لنا أخاً، أعني به الموت الجسديّ"؛ وذلك لأنه من خلال هذا الموت الجسد يدعو الربّ طفل الله إليه. كما أن الروح والجسد, بعد انفصالهما في الموت, يتكاملان مجدّداً ويتّحدان في القيامة النهائيّة.

تبرز هذه الجدلية بوضوح في رتبة الدفن الأرثوذكسية حيث ما من شيء يهدف إلى إخفاء حقيقة الموت المؤلمة والرهيبة. فالتابوت يبقى مفتوحاً, وغالباً ما تكون لحظة الوداع الأخير مؤلمة, لا سيما عندما يتقدّم أفراد عائلة المتوفّى وأصدقاؤه ليقبّلوه القبلة الأخيرة. لكن, في الوقت ذاته, نجد أن عادة ارتداء اللون الأبيض عوض الأسود قد سادت في أماكن عديدة,فالأبيض هو ذاته اللون الذي نرتديه في خدمة عيد الفصح لأن الرب القائم من بين الأموات يدعو الأموات المسيحيين إلى الاشتراك معه في قيامته. لا مانع من ذرف الدموع أثناء الجنّاز؛ بل إنّ البكاء حكمة لأن الدموع هي كالبلسم, والجرح يزداد عمقاً عندما يُكبت الألم. لكن يجب ألّأ نحزن "كسائر الناس الذين لا رجاء لهم" (1تس4: 13): مهما كانت مصيبتنا مؤملمة ومفجعة فهي لا تخلو من الرّجاء لأننا نعترف في دستور الإيمان بأنّنا نرجو "قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي".


يُتبع








التوقيع
أيها المسيح, و إن كان قد قُبض عليك من رجالٍ متعدين الناموس , إلا أنك لم تزل إلهي , و لهذا لست أخزى. و إن جُلدت بالسياط على ظهرك فلن أجحد , أو سُمّرت على الصليب فلا أُخفي ذلك , كوني بقيامتك أفتخر , لأن موتك هو حياتي أيها الكلي الإقتدار و المحب البشر , يا رب المجد لك.

Salwa غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 16-04-2010, 02:02 PM   #3
مشرف
 
الصورة الرمزية George Morise
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
رقم العضوية: 31
الدولة: Cairo- Egypt
المشاركات: 2,390
بمعدل: 0.94 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 George Morise is on a distinguished road



Smile الموت والقيامة - المطران كاليستوس وير

 

شكراً كَثيراً.. أَمين.







George Morise غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
نزول المسيح الى الجحيم مجدي داود دراسة الكتاب المقدس 1 12-02-2010 08:46 AM
أيضاً وأيضاً في الصلاة من اجل الراقدين Nicolaos الحوار المسيحي والاجتماعي 1 12-11-2009 07:59 AM
المطران أفرام لرعيته: جاء بي الله إليكم لكي أخدمكم Nicolaos أخبار من كنيسة أنطاكية 2 21-10-2009 10:18 AM
أبرشية عكار و توابعها للروم الأرثوذكس Abdallah Saad المسكونيات والتاريخ الكنسي 2 28-01-2009 07:31 PM
ذكرى ستة أشهر على انتقال المطران بولس بندلي Abdallah Saad المسكونيات والتاريخ الكنسي 1 15-12-2008 07:06 PM


الساعة الآن: 01:01 AM


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
إدارة الشبكة غير مسؤولة عن محتويات الموضوعات المنقولة من مواقع أخرى و التي يشارك بها الأعضاء
Protected by CBACK.de CrackerTracker