شبكة القديس سيرافيم ساروفسكي الأرثوذكسية

العودة   شبكة القديس سيرافيم ساروفسكي الأرثوذكسية > الإعلام المسيحي الأرثوذكسي > النشرات الكنسية والعظات والدوريات

التسجيل الرئيسية قانون صلاة youtube Facebook الأرشيف أيقونات التراتيل الفيديو التعليمـــات التقويم اجعل كافة المشاركات مقروءة

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: هل قالَ المسيح "أْتُوا بِأعدائي إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي؟" (آخر رد :نوري كريم داؤد)       :: التقمص في المسيحية (آخر رد :ثيوفان الحبيس)       :: جمعيتا مار اليان الحمصي للرجال والسيدات بدمشق . (آخر رد :اليان خباز)       :: جمعية القديس بندلايمون للسيدات لتربية اليتامى. (آخر رد :اليان خباز)       :: تعازي جمعية اليقظة بالفقيد العظيم . (آخر رد :اليان خباز)       :: لقطات من حفل تشييع جنازة المثلث الرحمات بطريرك العرب الياس الرابع. (آخر رد :اليان خباز)       :: شموع لأجلك يا أمـــي سوريـــة من القدس الحبيبة. (آخر رد :اليان خباز)       :: خبر انتقال المثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع معوض (آخر رد :اليان خباز)       :: المسيحية والشرق الاوسط والعالم إلى أين أنتم ذاهبون؟ (آخر رد :Ibrahim 4 C)       :: كشهاب من السماء هوى صرح من صروح الأرثوذكسية الشامخة. (آخر رد :اليان خباز)       :: اليوم يشيَع البطريرك الياس الرابع في العاصمة السورية ( جريدة النهار ) . (آخر رد :اليان خباز)       :: المثلث الرحمات المتروبوليت أليكسي عبد الكريم مطران أبرشية حمص (آخر رد :اليان خباز)      

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 29-11-2010, 05:45 AM   #21
أخ متقدم
 
الصورة الرمزية اليان خباز
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
رقم العضوية: 1227
المشاركات: 800
بمعدل: 0.44 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 اليان خباز is on a distinguished road



افتراضي

 

أبتي قدس الأرشمندريت توما : منذ صغري كنت أسمع باسمك وبشهادتك ,وازددت فخراً واعجاباً بشخصك حينما لم تقبل بالسدة الإدارية , وارتضيت أن تبقى في درجتك الكهنوتية لكي تتربع على سدة وعرش القلوب والأرواح , بينما يتهافت العديد لاهثين نحو السدة الدنيوية .
اسمح لي أن أرفع دعائي إلى المولود في بيت لحم مع الحيوانات وفي المغارة بأن يحفظك ويصونك لكي تتمم ما نذرت نفسك وروحك له , شكراً من أعماق فؤادي النابض بحب الأرثوذكسية على مقالاتك وعلى كلماتك التي تلامس القلوب والبعيدة عن التكلف والتملق , وهذا ما نحن بحاجة إليه , فإبليس قد ازداد هيجاناً , وأعماله تسود على العقول , رجاؤنا بكم لكي تبقوا النور ساطعاً والحقيقة لامعة , وكلمة السيد سائدة . شكراً لك يا أبتي والرجاء بذكري في صلواتك .








التوقيع
أيّها القديس اللابس الجهاد والطبيب الشافي إيليان، تشفع إلى الإله الرحيم أن ينعم بغفران الزلات لنفوسنا.
اليان خباز غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 05-12-2010, 10:59 AM   #22
أخ مجتهد
 
الصورة الرمزية rando
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
رقم العضوية: 1200
العمر: 29
المشاركات: 178
بمعدل: 0.10 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 rando is on a distinguished road



افتراضي

 

نقاط على الحروف الأحد 5 كانون الأول 2010






الكلمة الشّافية!

وقف يسوع في موضع سهل، هو وجمع من تلاميذه وجمهور كثير. جاءوا ليسمعوه ويُشفَوا من أمراضهم (لوقا 6: 17). كم كثيرًا كان هذا الجمهور؟ خمسون، مائة، مائتان، خمسمائة، ألف...؟ لا نعرف! نعرف، فقط، في البَشرَة، أنّ مخاطبة جمهور كثير في موضع سهل يحتاج إلى أجهزة صوت قويّة. مستحيل على جمهور أن يسمع متكلِّمًا، لا مناديًا (!)، من مسافة تزيد على بضعة أمتار. ومع ذلك، كانت الكلمة تبلغ أذن كلّ واحد من الحاضرين! حين يتكلّم الرّبّ الإله، يُعطَى السّامع أن يسمع بوضوح، وأن يفهم، إذا ما طلب أن يفهم. يَتوقّع المرء أن يكون صمت الجمهور، أو لنقل كلّ واحد من الحاضرين، عميقًا. ونعتبر أنّ السّيّد كان يخاطب كلاً من الموجودين شخصيًّا. النّاس يكلِّمون الجماهير ككتلة، أمّا الرّبّ الإله فيخاطبهم كأشخاص. يعرف كلَّ واحد وقلبَه وما يعاني وما يحتاج إليه وما ينفعه وما يضرّه. كيف ذلك؟ دانيال النّبيّ يخبرنا لو عرفناه كإله وعاينّاه متجلًّيا: "وجهه كمنظر البرق وعيناه كمصباحَي نار وذراعاه ورجلاه كعين النّحاس المصقول وصوت كلامه كصوت جمهور... وقال لي... افهم الكلام الّذي أُكلّمك به... من اليوم الأوّل الّذي جعلتَ قلبك للفهم ولإذلال نفسك قدّام إلهك سُمِع كلامُك وأنا أتيتُ لأجل كلامك... ولمسني كمنظر إنسان وقوّاني" (دا 10: 6، 11، 12، 18).
يعطي يسوع كلاً قدر ما يشاء ووفق الحاجة. الرّوح يُعطَى بلا حساب: مَن يطلب قليلاً يأخذ قليلاً، ومَن يطلب كثيرًا يأخذ كثيرًا. يسوع يُعطِي ذاته بالكلّيّة. "خذوا كلوا، هذا هو جسدي... اشربوا منه كلّكم، هذا هو دمي". والكلمة تقع في كلّ كيان وفقًا لواقعه وباعتبار حاجته وما ينفعه. "أطعمتَهم طعام الملائكة وأرسلتَ لهم خبزًا مُعدًّا... يلائم كلّ ذوق... ويتحوّل إلى ما شاء كلُّ واحد" (حك 16: 20، 21). كانوا متعَبين. جاءوا حتّى من ساحل صور وصيداء (لو 6: 17). كانوا جوعى. والرّوح أراحهم لأنّهم كانوا إلى السّيّد. كلمته أنعشت قلوبهم وغذّتهم حتّى جسديًّا. أما قيل: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله"؟ يكفيهم أنّهم تبعوه. كلّ حاجاتهم، بعد ذلك، مقضيّة. لا يعطي السّيّد كما نتوقّع وكما نرغب، بل ما لا نتوقّع وما ينفع لأنّنا لا نعرف، بعد، أن نطلب، ولا ما يوافقنا. هو يعلِّمنا ما ينبغي أن نكون إيّاه ونسيناه بقوّة أهوائنا، ويعطينا ما لا يخطر لنا ببال. "خبزنا الجوهريّ أعطنا اليوم...". فالطّوبى لمَن يقبل ما يَتنزّل عليه من لدن الله مصحوبًا بضيقات كثيرة، كالأطفال، يتعلّم ألاّ يسأل شيئًا بل يَقبل ما يشاؤه الرّبّ له. "لتكن مشيئتك".
علينا، في كلّ حال، أن نكون مستعدّين لأن نتغيّر في اتجاه الكلمة، في اتجاه ما يجعله الرّبّ الإله في قلوبنا. والكلمة الإلهيّة هي الّتي تخلق فينا حالة اتّزان وأن نعرف: أن نعرف أنفسنا على حقيقتها وأن نعاين الرّبّ الإله كما هو. فقط علينا أن نسمع بأذننا الدّاخليّة. كثيرون يسمعون ولا يسمعون، لذلك يسمعون ولا يفهمون. أما كان يسوع يردّد، من حين لآخر، قوله: "مَن له أذنان للسّمع فليسمع"؟ ما لم يخرج الإنسان من سماع نفسه، لا يمكنه أن يعطي انتباهًا لكلمة الله، ومن ثمّ أن يسمع. لا تنفذ كلمة الله إلى قلبه ولا تبثّ نورًا وروحًا، بل تبقى خارجًا. كلمة الله ليست ككلام النّاس. إن استقرّت في القلب تطيِّبه بطيب سماويّ. حتّى المبتدئين، إن طلبوها من كلّ القلب، تذيقهم الفردوس، فإنّ لها خِلابتها. لذا كان علينا، بإزاء الكلمة، أن نَصمت، أن نُخرس ثرثراتنا الدّاخليّة، ثرثرات أهوائنا وأفكارنا وذكرياتنا وطموحاتنا. لا يتجلّى الرّبّ الإله في كلمته إلاّ باليقظة والانتباه الكاملَين فينا!
جاءوا ليستمعوه ويُبرَأوا. الأذن الدّاخليّة هي مطرح البرء. السّماع الأصيل هو يبرئ النّفس. للكلمة، أوّلاً، قوّة شفائيّة! إذا لم نعطِ إصغاء أحرى تَعبُر الكلمة بصورة عبد كأنّها لم تكن. كلّ مرض، في القلب والنّفس والجسد، أصلُه أنّ الإنسان لا يسمع، والكلمة، من ثمّ، لا تستقرّ في الكيان. القلب، بالكلمة، يُشفى، لا شكّ في ذلك، والذّهن يستنير. النّفس، إذ ذاك، تتعافى. العافية نور! وأمراض النّفس كلّها تيهان في عتمة الكيان! نور الله يجمع قوى النّفس إلى واحد ويجعلها متكاملة متراصّة. مرَضُ النّفس تَفَكُّكٌ في قوى النّفس، فإن حيِِيَتِ النّفسُ بالنّور انجمعت! تماسُك قوى النّفس من استقرار كلمة الله، في القلب، نورًا وحضرةً! القلب الخاشع المتواضع لا يرذله الله ولا يعرف مرضًا في النّفس. أمّا الجسد فيتعافى هو أيضًا. قد يظهر هذا في انحلال المرض من الجسد. يسوع شفى النّفوس والأجساد، النّفوس بطرد الأرواح الشّرّيرة في قواها القائمة مباشرة في النّفوس، أو في قواها القائمة في الأهواء، والأجساد باستعادة الانتظام في اللّحم والدّم. حتّى الّذين لم يُشفَوا من عللهم البدنيّة، إن استقرّت فيهم كلمة الله واستنارت أكبادُهم يتعافَون. أعظم خبرة أُعطيت للإنسان في الجسد أن يختبر العافية في المرض. حين يتوحّد القلب والنّفس والجسد في الكلمة، في النّور، في الرّوح، يختبر الإنسان أمرًا فذًّا ليس معروفًا بين الّذين لا يؤمنون بيسوع. يختبر بُرْءًا عجيبًا. الجسد، عضويًّا، يكون معتلاً، ولا تظهر العافية جسديًّا بل في الحال الدّاخليّة المرافقة لواقع الجسد. الفرح بالرّبّ يختبره صاحبُه أقوى من أتعاب الجسد ومعاناته، أقوى إلى حدّ يجعل معه الفرحُ وجعَ الجسد كأنّه لا شيء. نعمةٌ خاصّةٌ تكون لمَن استقرّت فيه الحضرة الإلهيّة ولمّا تغادرْه عللُ البدن، حتّى لَيَختبر المرءُ فرحَ الرّبّ أشدَّ وأعمق من الفرح الّذي كان ليختبرَه لو شُفي من أمراض الجسد. هذا بفضل الصّليب، صليب الرّبّ يسوع. القيامة لا تنفصل، في خبرة الكنيسة، عن الصّليب. الصّليب، بعد قيامة الرّبّ يسوع، صار علامة الموت والقيامة في آن معًا، أو بالأحرى، علامة القيامة في الموت، واستطرادًا علامة سلام المسيح القائمة في ضيقات البشريّة لأجل السّيّد. القيامة الّتي نشترك فيها والرّبِّ يسوع، كلّ يوم، هي هذه أنّنا أُعطينا حياةً جديدة ونحن في عتاقة آدم السّاقط، أنّنا أُعطينا فرح الرّبّ ونحن في معاناة الجسد في هذا الدّهر، أنّنا أُعطينا الشّفاء ونحن نكابد علل البدن، "حتّى كما أُقيم المسيحُ من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدّة الحياة، لأنّه إن كنّا قد صرنا متّحدين معه بشبه موته نصير أيضًا بقيامته" (رو 6: 4 – 5). فلا غرو إن تكلّم الرّسول المصطفى بولس بلغة لم يسبق لبشريّ أن تكلّم بها معبِّرًا عن خبرة الحياة الجديدة هذه، عن خبرة الحياة الأبديّة في الموت، عن خبرة الضّياء في الخزف، عن خبرة التّماسك الدّاخليّ في التّفكّك الخارجيّ. دونك ما قاله: "لنا هذا الكنز في أوان خزفيّة ليكون فضل القوّة لله لا منّا... حاملين في الجسد كلّ حين إماتة الرّبّ يسوع لكي تُظهَر حياة يسوع أيضًا في جسدنا. لأنّنا نحن الأحياء نسلَّم دائمًا للموت من أجل يسوع لكي تَظهَر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت" (2 كو 4: 7، 10 – 11).
إذًا ليست الآلام الّتي يكابدها النّاس، في الحقيقة، من الله، فلا ننسبنّها إليه. الآلام هي من الانصراف عن سماع كلمة الله إلى سماع كلمة مَن جرّب آدم وحوّاء، في البدء، ولا يزال يجرّب الجنس البشريّ: إبليس! هذه هي التّجربة الّتي ترجمتُها في الإنسان أن يسمع الإنسان صوتَ نفسِه ويسلكَ فيما توحي له به من دون الله. لم يأتِ الرّبّ الإله متجسِّدًا ليُلغي هذه الحال، بل ليبثّ كلمتَه وروحَه في قلب الإنسان، ليحوّلَ آلام الإنسان إلى هيكل للفرح بالرّبّ، والأسى الّذي ينبعث في النّفس من جرّاء هذه الآلام إلى مطرح للرّجاء، والموت الّذي تفضي به إليه هذه الآلام إلى موضعٍ ومعبرٍ للقيامة والحياة الأبديّة... منذ الآن!

الأرشمندريت توما (بيطار)رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما








التوقيع
"أنا نذرت نفسي للرب ولست طالب مجد ولا مال، إن مجدي في نفسي، ولقد نذرت نفسي ذبيحة في كنيسة المسيح والذي يستغلني يستطيع ذلك على هذا الأساس ولا يستطيع أن يستغلني على أي أساس آخر".
بطريرك العرب الياس الرابع


إذا كان الله معنا فمن علينا
أدباً أدبني الرب وإلى الموت لم يسلمني
rando غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 12-12-2010, 04:17 AM   #23
الإدارة العامة للشبكة
 
الصورة الرمزية bandalaymon
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
رقم العضوية: 26
العمر: 36
المشاركات: 1,389
بمعدل: 0.55 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 bandalaymon is on a distinguished road



11-5 الحقّ والحرّيّة والنّسك!

 

مهما كانت الحقيقة واضحة وصارخة فإنّها لا تكفي ليتقبّلها النّاس. الرّبّ يسوع لم يكن صوتَ الحقّ وحسب بل الحقُّ عينُه، ومع ذلك رذلوه وطعنوه! ولعلّ هذا هو السّبب في أنّ المعلّم ردّ على سؤال النّاموسيّ: "ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة"؟ بسؤال: "ما هو مكتوب في النّاموس. كيف تقرأ"؟ (لو 10: 25 – 26).

ما لم تقرأ ما هو من روح الرّبّ بروح الرّبّ لا يمكنك أن تفهم! وأن تقرأ بروح الرّبّ معناه أن يكون روح الرّبّ ساكنًا فيك. روح الرّبّ لا يسكن في نفس مستَرَقّة (مستعبدة) للخطيئة. وقول يسوع هو هذا: "كلّ مَن يعمل الخطيئة هو عبد للخطيئة" (يو 8: 34). فإذا ما قلتَ خطيئة ذكرتَ، بالأحرى، بذار الخطيئة. ما كان الإنسان ليخطَأ لو لم يكن بذار الخطيئة عميقًا فيه. بذار الخطيئة ليس خطيئة بل أصلها.

القلب هو الأرض الدّاخليّة للإنسان، التّربة الّتي تضمّ كلّ أنواع البذور، ومن ثمّ الأفكار. بلى، للقلب أفكارُه. هناك أفكار في القلب وهناك أفكار في العقل المدرِك. أفكار العقل المدرِك صائبة أو مخطئة، فيما أفكار القلب، أو نواياه، صالحة أو خاطئة. الأفكار الخاطئة في القلب مردّها البذور الأولى للخطيئة فيه. هذه تولِّد كلّ أنواع الأفكار. أمّا هي، هذه البذور الأساسيّة الأولى، فيردّها آباؤنا القدّيسون، بالمعرفة الخبريّة الّتي اقتنَوها، إلى سبعٍ أو ثمانٍ يسمّونها شهوات أو أهواء: الشّراهة، الزّنى، البخل، الغضب، الحزن أو الضّجر، الكسل، العُجب أو المجد الباطل، الكبرياء. كلّ واحدة من هذه البذور تتمثّل بألف شكل ولون، بألف فكر وفكر. وكلّ فكر يصير خطيئة متى تبنّاه الإنسان بإرادته وسلك فيه.

جملةُ الأهواء تشكّل ما يُعرف بـ "الإنسان العتيق" (رو 6: 6؛ كو 3: 9...) أو "جسد الخطيئة" (رو 6: 6). بالخطيئة صارت للإنسان شبه طبيعة ثانية غير الطّبيعة الّتي خلقه الرّبّ الإله عليها. وكما أنّ للطّبيعة الأولى ناموسها، للطّبيعة الثّانية، أيضًا، ناموسها. هذا معرَّف عنه، كتابيًّا، بـ "ناموس الخطيئة" (رو 7: 23؛ 8: 2).

أقوال كالتّالية: أنّ الابن "لأجل الخطيئة دان الخطيئة في الجسد" (رو 8: 3)، وأنّه أُظهر "ليُبطِل الخطيئة بذبيحة نفسه" (عب 9: 26)، وأنّه "أعتقني من ناموس الخطيئة" (رو 8: 2)، كلّها يشير إلى أنّ الرّبّ يسوع حرّرنا من ربقة الخطيئة علينا إذ شملنا بنعمته. لذا قيل: "لن تسودكم الخطيئة لأنّكم... تحت النّعمة" (رو 6: 14). هذه هي الحرّيّة الّتي حقّقها الرّبّ الإله بذبيحة نفسه ودعانا إليها. حقّ يسوع، أو يسوع الحقّ يحرِّرنا بالسّلوكِ في وصاياه، بنعمتِه، بروحِه، روحِ الحقّ. من هنا قول يسوع: "وتعرفون الحقّ والحقّ يحرِّركم" (يو 8: 32).

المطلوب، فقط، لِنَقتني هذه الحرّيّة، لنصير أحرارًا، بالمعنى الإلهيّ للكلمة، أن نموت عن الخطيئة (رو 6: 2)، أن نَصلب إنساننا العتيق مع المسيح (رو 6: 6)، أو، بكلام آخر، أن نُهلك أنفسنا (يو 12: 25)، أي "جسدَ الخطيئة" فينا. "إذًا لا تملكنّ الخطيئة في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته... بل قدّموا ذواتكم... آلات برّ لله" (رو 6: 12 – 13).

للحرّيّة دُعينا بالتّحرّر، بالحقّ، من أهوائنا. ليست الحرّيّةُ الحقُّ تفلّتَ النّفس والجسد، أي السّلوكَ على هوانا، بما توحيه لنا به أهواؤنا. لذا قيل: "إنّما دُعيتم للحرّيّة أيّها الإخوة. غير أنّه لا تصيِّروا الحرّيّة فرصة للجسد [هذا يتضمّن النّفْس أيضًا]، بل بالمحبّة اخدموا بعضكم بعضًا... اسلكوا بالرّوح ولا تكمِّلوا شهوة الجسد، لأنّ الجسد يشتهي ضدّ الرّوح والرّوح ضدّ الجسد [جسد الخطيئة]، وهذان يقاوم أحدهما الآخر" (غلا 5: 12، 16 – 17).

بغير التّحرّر من أهواء الخطيئة، أي بغير التّنقّي والتّطهّر منها، لا يمكننا أن نعرف الحقّ، لا يمكننا أن نحبّ الله، ومن ثمّ الإخوة. الحقّ والمحبّة واحد. الحقّ هو محبّة الله بإزاء محبّة الذّات، والمحبّة هي الحقّ بإزاء الكذب. ليس الحقّ، في الرّوحيّات، نظريّة، أن تقول عن فكر ما إنّه صحيح، بل واقع إلهيّ إنسانيّ، أن تقول عن فكر ما إنّه صالح. لذلك أنت على حقّ إذا تكلّمت قويمًا، أمّا إذا سلكتَ في الوصيّة الإلهيّة فأنت تكون في الحقّ. ثمّة حقّ يتأتّى من صوابيّة الإدراك، وثمّة حقّ يتأتّى من المعزّي روح الحقّ. لكي تكون على حقّ في معرفة المعقولات تحتاج إلى فهم الأفكار في شأنها أوّلاً. أمّا إذا أردت أن تكون في الحقّ، في الرّوحيّات، فإنّك تحفظ أوّلاً، بعقلك، ولا تفهم، ومتى خبرت ما حفظت، بنعمة الله، فإنّك، إذ ذاك، تفهم وتعرف بروحك. هكذا كلّم السّيّد تلاميذه عن القيامة فحفظوا ما قاله لهم ولم يفهموه، فلمّا قام من بين الأموات تذكّروا وفهموا. نأتي من المعلومة عن الحقّ إلى معرفة الحقّ، كما نأتي من المعرفة، بشأن الإلهيّات، إلى معرفة الله، أي إلى محبّته، إلى الشّركة معه في الرّوح.

هذا هو الحقّ الّذي نَفِدُ إليه متى تحرّرنا من أهواء الخطيئة. ولكنْ، كيف نتحرّر من أهواء الخطيئة، كيف نتنقّى، كيف نتطهّر؟ بحفظ الوصيّة! وكيف نحفظ الوصيّة؟ بالنّسك نحو الصّلاة! النّسك من الوصيّة كالتّكنولوجيا من العِلم. النّسك، تحديدًا، هو نبذ كلّ ما له علاقة بالهوى، بغصب النّفس والصّلاة ونعمة الله، وطلبُ ما هو مقابلُه إلى حدود حاجة الطّبيعة. خذ الشّراهة مثلاً. نصوم عن الطّعام كمًّا وعن الأطايب نوعًا مكتفين من الطّعام بالبسيط وبما يسدّ حاجة البدن. التّفاصيل نتعلّمها من النّسّاك الّذين سبقونا. النّسّاك يعلّمون طلاّب النّسك، والكلُّ، كلُّ المؤمنين، طلاّبُ نسك، كلٌّ في موقعه. طبعًا، النّاسك المتوحِّد يختلف، في نسكه، عن النّاسك في الدّير وهذا عن النّسّاك المؤمنين في العالم. ليس المقياس كميّاتٍ من الطّعام وأنواعًا محدّدة منه، بل ما يقع ضمن حدود البساطة والحاجة كما ذكرنا. هذا يأكل أكثر من ذاك، وذاك يأكل هذه الألوان من الطّعام دون تلك. المهمّ ما يناسب الشّخص في سعيه، بالصّلاة، إلى الحقّ والمحبّة وما يحرِّره من تسلّط شهوة الحَلْق والبطن عليه.

خذ مثلاً آخر: البخل. البخل قرين الجمع والإمساك عن العطاء معًا. بإمكاننا أن نلتزم الفقر بالكامل ونمتنع عن الجمع بالكامل لكي نتّكل على الله بالكامل. هذه ذروة النّسك! وبإمكاننا أن نوزِّع ما لدينا على الفقراء، ثمّ نعمل بأيدينا لنسدّ حاجتنا يومًا فيومًا، وما زاد على حاجتنا نوزّعه على المحتاجين. هذا أيضًا نسك جميل! وبإمكاننا أن نعمل ونجمع لنسدّ، ببساطة عيش، حاجتنا ونبدّد على المعوزين، حتّى إلى آخر قرش، إذا لزم الأمر، بكلّ أمانة، وضميرُنا شاهد لدى الله. هذا أيضًا نسك جميل لأنّه قيل "بدّد وأعطى المساكين فبرّه يدوم إلى الأبد"! هذا ما يحرِّرنا من هوى البخل. النّمط الّذي نتّبعه يتغيّر من شخص إلى آخر. لا مانع! القدّيس أندرونيكوس الأنطاكيّ (9 تشرين الأوّل) كان يوزّع دخلَه السّنويّ إلى ثلاثة أقسام: قسم يوزّعه على الفقراء، وقسم يعطيه قروضًا بلا فائدة لأصحاب الحِرَف المحتاجين، وقسم يعتاش به، وبه يستمرّ في صناعته. المهمّ ألاّ ينفق النّاسك في ملذاته. في كلّ حال، ليس المقياسُ الكمّيّةَ الّتي ننفقها على أنفسنا أو على الفقراء، بل المقياسُ هو التّحرّرُ من حبّ المال والتزام روح الفقر الكامل إلى الله. الخروج من أسْر البخل يستلزم موقفًا داخليًّا شخصيًّا قويمًا وكاملاً لا اختلال فيه.

ذَكَرْنا الصّلاة، هنا وثمّة، في معرض كلامنا على النّسك. وإن لم يكن، هنا، المقامَ للتّوسّع في الكلام على الصّلاة، فلا بدّ من الإشارة، لتوضيح الصّورة، إلى أنّ الصّلاة هي إطار النّسك، وبالنّسكِ قوّةُ دفعِ الصّلاةِ إلى الله. الصّلاة، في معرض النّسك، تستنزل نعمة الله المؤازرة الّتي بدونها لا فَلاَح لنسكٍ. والنّسك حشدٌ لقوى النّفس في الصّلاة ليَدخل المؤمن في وصال حقيقيّ محبّيّ مع الله، ومن ثمّ ليعاين اللهَ كما هو (1 يو 3: 2). بهذا تكون حريّةُ النّسك قد تحقّقت، وبالصّلاة قد بلّغتنا الحرّيّةُ الدّاخليّةُ المعرفةَ الحقّ.

لا حقّ يقتبله النّاس بغير حرّيّة النّسك هذه. ما لم نَشَأْ أن نسلك في النّسك يبقَ الحقُّ غريبًا عنّا. نقرأه أهوائيًّا ونفسِّره أهوائيًّا ونتعاطاه أهوائيًّا. وإلى أن نبلغ النّضج والمعرفة الشّخصيّة نسير في ركب التّقليد الكنسيّ المنحدر إلينا، في هَدْي الآباء الّذين نسكوا وتحرّروا وعرفوا الحقّ. حتّى لو لم نفهم عمقَ ما خبروه ونقلوه لنا نحفظُه ونردّده بغيرة إلهيّة وأمانة ليكون لنا الدّليلَ والمبتغى ويستحثَّ بعضُنا البعضَ، به، لأنّه رائحة الحقّ ومن الحقّ، إلى معرفة مَشُوقة لِحَقّ يسوع ويسوعَ الحقّ!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما








التوقيع
بينما يتناقش علماء اللاهوت في امور الدين يتسلل الكثير من البسطاء الي الملكوت
bandalaymon غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 19-12-2010, 04:38 AM   #24
الإدارة العامة للشبكة
 
الصورة الرمزية bandalaymon
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
رقم العضوية: 26
العمر: 36
المشاركات: 1,389
بمعدل: 0.55 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 bandalaymon is on a distinguished road



افتراضي الإنجاب والقداسة والميلاد!

 

ليس الإنجاب في المسيحيّة فضيلة. الإنجاب عَمَلُ الطّبيعة على علاّتها. التّكاثر سُنّةُ طبيعة البشر والحيوان والنّبات، وما له، في ذاته، قيمة روحيّة. كلّ مسعى إنسانيّ يستحيل قيمة روحيّة إذا ما كان مساعدًا على اقتناء روح الرّبّ أو على بثّه. الفضيلة، في الإنجاب، هي أن تعمل ما في وسعك لتقديس نفسك والمساهمة في إخراج قدّيسين، بنعمة الله، من العدم إلى النّور. بكلام المعلّم ترتوليانوس (+ 225 م): "أولاد المؤمنين هم بقصد القداسة، ومَن ثمّ الخلاص". لذا العقم الجسديّ، ضمن حدود الفضيلة، ليس نقيصة. همُّنا، في كلّ حال، هو الخصب الرّوحيّ. لسنا نقف عند الأمومة في الجسد كقيمة. نتخطّاها إلى الأمومة الرّوحيّة. وكذا الأبوّة. ليس الهمّ عندنا أن نُنجب في الجسد بالضّرورة. الهمّ، بالأحرى، أن نصنع، في كلّ حال، من الفقراء والمرضى والأيتام والأرامل والمعاقين والضّالين والمضنوكين بعامة أقرباء لنا (مَثَل السّامريّ الصّالح) وأن ننشدّ وإيّاهم إلى المسيح.

جيّد أن يتزوّج المؤمن في المسيح. فكرة المعين في الزّواج أساس منذ البدء (تك 2: 18). طبعًا، العون في المسيحيّة عون على القداسة أوّلاً والباقي نتيجة. من جهة أخرى، سياق الزّواج عند الرّسول بولس ذو بُعد آخر إضافيّ. يَعتبر الرّسول أنّ الوقت، منذ الآن، مقصَّر لكي يكون الّذي لهم نسَاء كأن ليس لهم (1 كو 7: 29). ويضيف: "أُريد أن تكونوا بلا همّ" (1 كو 7: 32). ثمّ يُفصح: "غير المتزوّج يهتمّ في ما للرّبّ كيف يرضي الرّبّ. أمّا المتزوّج فيهتمّ في ما للعالم كيف يرضي امرأته" (1 كو 7: 32 – 33). لذا يخلص إلى القول: "أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب الانفصال. أنت منفصل عن امرأة فلا تطلب امرأة" (1 كو 7: 27). لكنّه يوضح: "إن تزوّجتَ لم تخطئ... لكن مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد" (1 كو 3: 28). ثمّ يعطي نفسَه مَثَلاً (1 كو 7: 8) مشيرًا إلى أنّه حَسَن للمؤمنين أن لا يتزوّجوا ويستحسن أن لا يمسّ الرّجل امرأة. ثمّ يستدرك: "إن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوّجوا لأنّ التّزوّج أصلح من التّحرّق" (1 كو 7: 9). وإذ يحذّر من الزّنا (1 كو 6: 18) ينصح مَن لا طاقة لهم على ضبط أنفسهم أنْ "لسبب الزّنا ليكن لكلّ واحد امرأته ولكلّ واحدة رجلها" (1 كو 7: 5). هذا ما يحثّ عليه مؤكِّدًا، في كِلا الحالَين، الزّواج أو عدمه، أنّ أجساد المؤمنين هياكل للرّوح القدس وأنّهم ليسوا لأنفسهم وأنّ عليهم أن يمجِّدوا الله في أجسادهم وفي أرواحهم الّتي هي لله" (1 كو 6: 19 – 20).

الزّواج، وفق هذا المنظور البولُسيّ، وقاية من الزّنا، لكن يبقى السّعي الثّابت للمتزوّجين قائمًا أن يحفظوا أجسادهم هياكل للرّوح القدس. إذًا ليس الزّواج مجالاً لإطلاق العنان لمتعة الجسد اتّقاء التّحرّق. بالعكس متعة الجسد إن لم تُضبَط بنسك صارم تزيد التّحرّق، كما الإكثار من الطّعام يزيد الشّراهة ولا يطفئها. من هنا أهمّيّة تعاطي الإمساك في ما لمتعة الجسد، حفظًا لنقاوة حبّ الله في الأكباد، وإلاّ استحال الجسد أداة متعة ولمّا يعدْ ممكنًا أن يصير هيكلاً للرّوح القدس. هذا ما جعل آباءنا الأوائل يعقِلون شهوة الجسد بالإنجاب والإمساك الشّديد.

موضوع متعة الجسد كان همًّا لدى الآباء القدّيسين والمعلّمين المسيحيّين الأوائل حفظًا للمؤمنين لأنّهم العالمون، في الرّوح، بمعنى القول الإلهيّ: "دوار الشّهوة يطيش العقل السّليم". قالوا أوّلاً إنّ الغرض من الزّواج هو الإنجاب (القدّيس يوستينوس الشّهيد، أثيناغوراس، القدّيس إيريناوس اللّيوني...). والقدّيس اكليمنضوس الإسكندريّ قال بوضوح: "مَن لا يرغب في إنجاب الأولاد لا حقّ له في أن يتزوّج البتّة".

ثمّ متعة الجسد، بحدّ ذاتها، تنكُّرٌ لمحبّة الله. القوانين الرّسوليّة قالت: "محبّ الله لا يجوز له أن يكون محبًّا للذّة". لكتانتيوس قال: "الرّغبة الجنسيّة معطاة لنا للإنجاب". وأضاف: "ما زاد على الرّغبة في الإنجاب مدانٌ من الله". أثيناغوراس المدافع قال كلامًا أكثر تفصيلاً: "بعد إلقاء البذار في التّربة، ينتظر المزارع الحصاد. لا يبذر فوق ما يكون قد بذره. هكذا، عندنا، إنجاب الأطفال هو حدّ الخوض في الشّهيّة [الجنسيّة]". والقدّيس اكليمنضوس الإسكندريّ يبدي: "بعد الحَمْل، الإنسان الرّوحيّ يعتبر زوجتَه أختًا له ويعاملها كأنّها ابنة أبيه".

بإزاء هذا الحرص الكبير، يتساءل المرء لِمَ كان آباؤنا قاطعين إلى هذا الحدّ في لجم شهوة البدن؟ لِمَ شاؤوا أن يتدخّلوا ويضبطوا حميميّة علاقة الزّوجَين؟ لأنّ شهوة الجسد جامحة بطبيعتها من حيث هي مرتبطة بقوّة الحياة نفسها ومن حيث هي القوّة الّتي تدفع إلى بثّ الحياة. فإذا لم تُخضَع قوّة الدّفع هذه لضوابط كنسيّة وعائليّة واجتماعيّة وشخصيّة، والإنسان على ما هو عليه من ميل إلى عشق الذّات والجسد، فإنّ خطر فكاك القوّة الجنسيّة عن القصد الّذي زرعها الرّبّ الإله في الإنسان من أجله، لجهة انجذاب المرأة إلى الرّجل والرّجل إلى المرأة بقصد الإنجاب، هذا الخطر يودي بالإنسان إلى الانحراف والتّهلكة. هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ لمحبّة الزّوجَين المؤمنَين أحدهما الآخر تعابير جسديّة جمّة بلا شكّ، لكن هذه التّعابير تبقى، في إطار الصّحو والإمساك، في حدود الرّفق والحنان. أمّا متى بلغت هذه المحبّة ذروة التّواصل الجسديّ، فإنّ الطّبيعة نفسها تفرض لهذا التّلاقي الكامل الإثمار: التّلقيح ومن ثمّ الحمْل. فإن احتال الزّوجان، في تمام التّواصل الجسديّ بينهما، على ما هو من الطّبيعة، فإنّهما يفكّان الرّباط الطّبيعيّ، على نحو مخالف للطّبيعة، ما بين ذروة متعة الجسد وتكوين الحياة. وهذا بعينه هو الزّنا الكيانيّ في القلب، ومن ثمّ في النّفس والجسد. الزّنا، هو، بالضّبط، اعتبار متعة تلاقي الأبدان قائمة في ذاتها بلا حساب لثمرة البطن. من هناك، من ذاك الواقع الملتوي، ينحرف تعاطي الرّجل والمرأة أحدهما الآخر، إذ يمسي تعاطي الرّجل زوجتَه، في العمق، كجسد وكذا المرأة الرّجل وهذا ينتقل، في الوجدان، إلى كلّ جسد خارج الزّوجيّة. فيما لو لزم الزّوجان، بالرّوح، حدود الحنان للطّف سلوكُهما جماحَ الجسد وثبتَ الحبُّ واستقام المسرى وتكلّلت ذروة التّلاقي في الجسد بينهما بالحبل بالرّوح القدس. إذ ذاك يأتي الجنينُ ثمرة الرّوح: نعمة ومحبّة وحنانًا وسلامًا، ولا يُلتغى من الحسبان أو يأتي، عَرَضًا، من جماح الجسد وعمل المتعة والهوى.

إذًا الزّواج المسيحيّ يوجب، إلى العون على القداسة بين الزّوجَين، الإنجابَ، وأن يكون الإنجابُ بالقداسة ولأجلها.

ثلاثة يستوجبها الزّواج المسيحيّ لجهة الإنجاب: الحبل بالرّوح القدس ونمو الجنين بالرّوح القدس ونشأة الطّفل، بعد خروجه من البطن، بالرّوح القدس. ودور الزّوجَين، لا سيّما المرأة، كحاضنة وأمّ، أساسيّ في التّعاون وروح الرّبّ لتكوين حياة جديدة وذرّيّة جديدة إلهيّة بشريّة، لا الاكتفاء بحياة جسدانفسانيّة أهوائيّة! بعد المسيح كلّ قيمة أخرى إلاّه التغت!

إذًا تقوى الوالدَين أوّلاً وثانيًا وثالثًا. مخافة الله. هاجس الله. الأمانة في كلّ حين وحال. طلب كلمة الله أكثر من طلب الطّعام. الهذيذ باسم الله أبدًا. الإدمان على الصّلاة ودعم الصّلاة بالصّوم. ملكوت السّموات يؤخذ غلابًا. كلّ ما تطلبونه في الصّلاة مؤمنين تنالونه. القلب الخاشع المتواضع لا يرذله الله. لذا القداسة تُنتج قداسة. هذه قاعدة. والقداسة، بعامة، تأتي من القداسة. قلّة قليلة جدًّا تنشأ في القداسة ثمّ تشرد إلى المنتهى. لا بل أجسر على القول إنّه ولو شرَد بعضٌ فإنّ روح الرّبّ لا يلبث أن يستعيد مَن شرَد. هذه سيرة النّخبة؟ صحيح! لكنْ كلُّ المسيحيّين نخبة ومفترض أن ينظر كلٌّ إلى نفسه كواحد من هذه النّخبة! التّصوّر أنّ القداسة، بين المؤمنين، أو المسمَّين مؤمنين، هي لأقلّ من القلّة تصوّرٌ خاطئ. الجميع يشاؤهم ربّهم أن يخلصوا. وأن يخلصوا معناه أن يتقدّسوا. كونوا قدّيسين. كونوا كاملين. هذه لا دعوة الرّبّ الإله وحسب، هذه عطيّته لكلّ الّذين يؤمنون. هو أَعطى ويُعطي كلّ شيء. الرّوح يُعطَى بلا حساب! يبقى أن يكون هناك مَن يأخذ، مَن يغرف بلا حساب!

دونكم عيِّنة من سيرة القدّيسين، من السّيرة الّتي يُفترَض أن تسود بين المؤمنين، كلّ المؤمنين كبديهة.

يستغرب القارئ أنّ العديد من القدّيسين يأتون من عقر. شيء لافت! كأنّي بمَن يسمح الرّبّ الإله بهم عُقْمًا، بين المؤمنين، محظيّون لا مرذولون! كأنّي بالله يلقيهم في العقر ليخوضوا جهادًا كبيرًا، ليغتصبوا العطيّة الإلهيّة بالتّواضع الكبير والصّبر القدير والصّلاة الملحاحة والإصرار في الصّوم والانكباب على العطاء! مَنطِق الله غير منطق أهل هذا الدّهر.

صموئيل النّبيّ، قديمًا، أتى من عقر. يوحنّا المعمدان جاء من عقر. ديمتريوس العظيم في الشّهداء أتى من عقر. استفانوس الجديد (28 تشرين الثّاني) جاء من عقر. فيلوثي الأثينيّة (19 شباط) كانت أمّها في عقم. أسيا العجائبيّ (15 تمّوز) وليد عقر. وغيرهم وغيرهم. كيف تصرّفوا؟ كيف سلكوا؟ بالصّلاة والدّموع والتّقوى والإصرار على الله والصّبر إلى ما لا نهاية. أمُّ البارّة فيلوثي الأثينيّة (القرن 16)، واسمها سيريجا، أبت أن تلجأ إلى الأطبّاء ولمّا تشأ استعمال الأدوية. اتّكلت على الله وحده ولاذت بوالدة الإله. صلّت بحرارة. رأت حلمًا: والدة الإله، ونورًا ينبعث من إيقونتها ويستقرّ في حشاها. حبلت وأنجبت قدّيسة عظيمة!

أسيا العجائبيّ كيف تعاطى والداه العقر؟ أكثرا العطاء. لم يتركا كنيسة إلاّ زاراها. طال الزّمان ولم ييأسا. ازدادا ثقة وإصرارًا وانكسارًا. الله قادر على كلّ شيء، وهو يعطي. اطلبوا تجدوا! اقرعوا يُفتح لكم! مضى على زواجهما ثلاث وخمسون سنة. حلّت ساعة انصافهما. قَبِل الرّبّ صلاتهما وجنح إلى صدقاتهما وأعطاهما ابنًا اجترح به قوات عجائبيّة!

أهذه حالات استثنائيّة؟ كلاّ أبدًا! ذرّيّة الله بين النّاس ذرّيّة أنبياء وقدّيسين وصانعي عجائب! هذه عيّنات من جيل جديد وحياة جديدة وذرّيّة جديدة!

ودونكم ما ورد في سيرة مرتا (4 تمّوز) أمّ واحد من أعظم القدّيسين: سمعان العموديّ العجيب. وضعت مولودَها دون آلام المخاض المعتادة. نذرته لله. كلّ وقتها كانت تقضيه في الكنائس. تصلّي بنخس قلب منتصبة. لم يشاهدها أحد في الآحاد جالسة أو تُكلّم أحدًا في الكنيسة. توزّع الحسنات. تستقبل الغرباء. تغسل أقدامهم بتواضع قلب. تُلبس العراة. تُطعم الجياع. تقدّم ثوبَ المعموديّة للموعوظين الفقراء وثيابَ الدّفن للراقدين المعوزين. لمّا قدم ابنُها ليصعد على عمود، سارت أمام الموكب وهي تردّد: خلّصنا يا ابن الله، يا مَن صُلب من أجلنا. المجد لك يا سيّد. هليلويا!

وماذا أقول عن أمّ القدّيس سرجيوس رادونيج (15 أيلول) وأمّ القدّيس البارّ أليبيوس العموديّ (26 تشرين الثّاني)؟ لمّا حبلت مريم أمّ البارّ ثيودوروس الرّهّاويّ (19 تمّوز) بعد سنين من الصّوم والتّقشّف والصّلاة والنّذور، حبلت فحفظت نفسها، كما تقول السّيرة، حِفْظَ الأواني المقدّسة الإلهيّة. مولودها طلبته وأبوه وكانت لهما بنت. أصرّا على الله واتّضعا أمام الله. لم يعطهما اللهُ من عقر، بل أعطاهما من شهوة مبارَكة مرفوعة بحبٍّ لربّ الأكوان كبير.

الله يعطي كلّ شيء لكلّ أحد. الله برسم الاقتحام! ليس عند الله مستحيل، لذا ليس عند أحبّته مستحيل. المهمّ أن يكون الكلّ من الله وفي الله ولله. والله ممجَّد في قدّيسيه!

أمّا بعد فليس من عقم في الأبدان. العقم في النّفوس! الله يعطي بلا حساب إن اتّضعنا وتنقّينا بلا حساب ونذرنا لله ذواتنا ومَن لنا وما لنا بلا حساب!

بعد يسوع لم يعد، بين المؤمنين، من زواج إلاّ ويسوع، ولم يعد من إنجاب إلاّ ليسوع. لقد قَذَفَنا الرّبُّ الإله في العالم لنكون له شهودًا لما هناك، لقلب الله، لروح الله. نحن هنا ولكنّنا من هناك هنا لنأتي بكلّ أحد وبكلّ شيء هنا إلى هناك! لِيَقُم الله ويتبدّد جميع أعدائه ويهرب مبغضوه من أمام وجهه!!!

لم نعد في ظلمة معرفة الإنسان العتيق. بتنا في نور معرفة الإنسان الجديد:

"ميلادك أيّها المسيح إلهنا قد أشرق نور المعرفة في العالم. لأنّ السّاجدين للكواكب به تعلّموا من الكوكب السّجود لكَ يا شمس العدل وأن يعرفوا أنّك من مشارق العلوّ أتيت يا ربّ المجد لك!"

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما








التوقيع
بينما يتناقش علماء اللاهوت في امور الدين يتسلل الكثير من البسطاء الي الملكوت
bandalaymon غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 26-12-2010, 04:33 AM   #25
الإدارة العامة للشبكة
 
الصورة الرمزية bandalaymon
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
رقم العضوية: 26
العمر: 36
المشاركات: 1,389
بمعدل: 0.55 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 bandalaymon is on a distinguished road



11-5 من ميلاد الحشا إلى ميلاد الصّليب!

 

... وأمّا شجرة معرفة الخير والشّرّ فلا تأكل منها يا إنسان! لكنّه بحيلة الحيّة أكل. آدم وحوّاء أكلا. فانفتحت أعينهما على ما لم يكن قد حان الوقت لتنفتح عليه، فصارا ما أكلا. عرفا، إلى الخيرالّذي عرفاه، الشّّرّ. ولكنْ صار الخير، في الإنسان، وبين النّاس، ذبيح الشّرّ. وساد القتلُ، في تاريخ البشريّة، ناموسًا!

على هذا، عرف آدم امرأته فحبلت وولدت قايين، ابن الشّرّ المنبثّ في كيان آدم وحوّاء من زرع الحيّة، الرّوح الغريب. ثمّ ولدت أخاه هابيل، ابن الخير في أعماقهما. قايين أوّلاً، وله السّطوة والذّئبيّة، وبعد ذلك هابيل حمل الله. قايين رفْضٌ لحكم الله وتمرّدٌ عليه. لِمَ فعل ذلك؟ لأنّه ذاق الشّرّ! صار الشّرّ، بالحيّة، في نَفَسه. والشّرّ أن تعبد ذاتك وتكفر بالله! ثمّ عبادة ذاتك تُنجب الحَسَد. والحسد محبّة الموت. الحسود يروم قتل الله في مبارَكيه. بعد ذلك، يتّقد الغيظ، في النّفس، بالحسد. ثمّ الغيظ يلتهم قلب الحاسد التهامًا فيأتي الإنسان إلى النّار الدّاخليّة الّتي لا تُطفَأ "حيث دودهم لا يموت والنّار لا تُطفَأ" (مر9: 44). لذا قام قايين على هابيل، الّذي نظر الرّبّ إليه وإلى قربانه، وقتله. هابيل كان قد قدّم لله من أبكار غنمه ومن سمانها. لاحظوا: "من أبكار غنمه ومن سمانها". إذًا، خيرَ ما له. هذا معادلٌ القولَ إنّه قدّم كلّ ما له. الكلّ من الله وإليه. هابيل التزم الفقر الكيانيّ فيما احتفظ قايين بالأجود لنفسه، أي، عمليًّا، بكلّ شيء. هذا ميل قلب الإنسان العتيق: أنّ يسخّر الخير الّذي فيه للشّرّ، أي لعبادة ذاته، وأن يستغلّ ما لخير النّاس لنفسه. هذه ذرّيّة قايين التّسلُّطِ قاتلاً، فيما ذرّيّة هابيل الوداعةِ ذبيحًا. "كشاة سيق إلى الذّبح ولم يفتح فاه". مذ ذاك أضحى هذا واقع حال البشريّة. الحقّ باق تحت أيّ ظرف، والخير باق، لكنّه مقتول أبدًا، مُستغَلٌّ، في أكثر الحالات، لمرامي الباطل، لمرامي الإثم. هكذا ثَبَت الحقّ منذ قايين ولكنْ ذبيحًا، وطغى قايين البشريّة ظلمًا وعنفًا وقتلاً!

هذا تاريخ البشريّة إلى الرّبّ يسوع المسيح، تاريخُ جراح وأنين وضعف وبعضِ التماعات حقٍّ، هنا وثمّة، تنقدح ثمّ تخبو ثمّ تنقدح من جديد ثمّ تخبو وهكذا دواليك. هذا تدبير العليّ حتّى لا يفترس البشريّةَ اليأسُ. الله ترك جميع الأمم يسلكون قديمًا في طرقهم مع أنّه لم يترك نفسَه بلا شاهد (أع14: 16- 17). هكذا شاء الرّبّ من خلال الآلام والمعاناة، بعد السّقوط، أن يأتي بالبشريّة إلى الخلاص. لذا لم تكفّ الأنّات والدّموع والتّوسّلات عن التّرداد في أرجاء المزامير الشّريفة متشوّفةً أبدًا إلى مسيح الرّبّ. "أيّها الرّبّ يسوع تعال"! "انظر إلى مذلّتي الّتي أوصلني إليها أعدائي، يا رافعي من أبواب الموت" (مز9: 13). "انظر إليّ. استمع لي أيّها الرّبّ إلهي. أنر عينيّ لئلاّ أنام نومة الموت... على رحمتك توكّلت. قلبي يبتهج بخلاصك" (مز12: 3، 5). "يا إله القوّات تعطّف. اطّلع من السّماء وانظر وتعهّد هذه الكرمة وأصلحها الّتي يمينك غرستها" (مز79: 14- 15).

هكذا بقينا قاصرين مستعبَدين تحت أركان العالم (غلا4: 3) إلى أن اكتملت الأيّام. فلمّا "جاء ملء الزّمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة مولودًا تحت النّاموس... لننال التّبنّي" (غلا4: 4- 5).

وحلّ الرّوح القدس على عذراء اسمها مريم فحبلت ووضعت مولودًا قدّوسًا دعاه جبرائيلُ الملاك، المرسَلُ من الله بشيرًا، "ابنَ الله". هذا جاء من ذرّيّة هابيل المبذول بشريًّا. وهذا ابن القصد والوعد الإلهيَّين اللّذين تمخّضت بهما البشريّة آلامًا ودموعًا وأشواقًا. "نَفَس أنوفنا مسيح الرّبّ"! ثمّ أنجبته مراحم العليّ. صوت دم هابيل الصّارخ إلى الآب من الأرض جعل البشريّة القايينيّة تائهة وهاربة على مدى الأجيال إلى أن حلّ، في دم هابيل، روحُ الرّبّ على صورة ما ورد في رؤيا حزقيال النّبيّ (37) فصار ما كان لعنةً لبني آدم العتيق بركةً للّذين قبلوا، منهم، يسوعَ المخلّصَ آدم جديدًا، الّذين أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه الّذين وُلدوا لا من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله (يو1: 12- 13).

وُلد ابن الله بالجسد من مريم، حوّاء البشريّة الجديدة، بلا مخاض، لأنّه نجيب روح القدس، لكي يلد هذه البشريّة، في مخاض الصّليب، إلى حياة أبديّة.

عتمة المغارة تناجي عتمة الأرض برمّتها (مت27: 45). ساعة صرخ يسوع، على الصّليب، بصوت عظيم، ردّد صوت هابيل من الأرض قديمًا، وأسلم الرّوح (مت27: 50). رقد لكنّه بثّ روح الحياة إلى الأبد في آن.

من كان عند الصّليب؟ بصورة خاصّة، مريم، والدة الإله، والتّلميذ الّذي كان يسوع يحبّه. من هناك بالذّات، من بطن صليب المخلّص، وُلدتْ، بالدّم والماء، ذرّيّةٌ جديدة. هكذا ارتسمت: قال يسوع لأمّه: "يا امرأة هوذا ابنك". ثمّ قال للتّلميذ: "هوذا أمّك" (يو19: 26- 27). الكلام الإنجيليّ لا يقف عند هذا الحدّ. خاتمة القول كانت: "ومن تلك السّاعة أخذها التّلميذ إلى خاصّته". نشأت قربى جديدة من فوق. مريم، أمّ الرّبّ يسوع، والدة الإله، كانت ولا زالت وستبقى. هو ابنها وإلهها. ولكنّه، الآن معًا، يكلّمها، في شأن يوحنّا، كإله: "هوذا ابنك". مريمَ جعلها حوّاءَ الجديدة للكنيسة، ويوحنّا جعله هابيلَ الجديد، التّلميذَ الّذي كان يسوع يحبّه على مثال قولة الآب عن الابن: هذا هو ابني الحبيب الّذي به سُررتُ. ابنَ النّعمة الّذي جعل روحَه عليه، الّذي وُلد من اتّكائه على صدر المعلّم. الخليقةُ الجديدة تولد من حشا الصّليب. مريم تُرسَم أمًّا للكنيسة ويوحنّا مثالاً للمؤمنين بالرّوح. هابيل، الاسم، معناه "النّفَس"، ومعناه أيضًا "الباطل". هذه كانت البشريّة: نَفَسًا وأتت من تراب الأرض. أمّا يوحنّا فوليد روحِ الله ويأتي من قلب الله. هابيل هو ابن النَّفَس الضّئيل ويوحنّا هو ابن الرّعد!

اليوم يلد روحُ الرّبّ، من مريم البتول، آدم الجديد، إلى الأرضيّات، ليلد آدمُ الجديد البشريّةَ، على الصّليب، إلى السّماويّات.

فالمجد لله في العلى وعلى الأرض السّلام وفي النّاس المسرّة!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما








التوقيع
بينما يتناقش علماء اللاهوت في امور الدين يتسلل الكثير من البسطاء الي الملكوت
bandalaymon غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 02-01-2011, 04:35 AM   #26
الإدارة العامة للشبكة
 
الصورة الرمزية bandalaymon
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
رقم العضوية: 26
العمر: 36
المشاركات: 1,389
بمعدل: 0.55 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 bandalaymon is on a distinguished road



11-5 مصاعد الزّمن الجديد!

 

... الحياة المائتة لا يمكن أن تكون من الله. لا موت في الله! الله حياة وفيّاضة، والحياة لا تُفرع موتًا. للموت مصدر آخر. الموت فكاك للحياة. الموت من خارج الحياة البشريّة، دخل فيها وضربها من الدّاخل. علّة الموتِ ما تُسمَّى"الخطيئة" الّتي قال الرّسول بولس، بوضوح، في شأنها، أن بها دخل الموت (رو 5: 12). الخطيئة، إذًا، من خارج الله ومن خارج الإنسان. بها انفكّ الإنسان عن الله، ولكنْ لا كلِّيًّا لأنّ الحياة، ولو أضحت مائتة، لعلّة من غير الله، لا تزال ممدودةً من الله. لولا ذلك لكان الإنسان قد زال. فإن أبقى الله على الإنسان فَلِقَصْد سرّيّ نابع من محبّة الله كشفَه، جليًّا، في ملء الزّمان، في مسيح الرّبّ!

فإن لم تصدر الخطيئة، بدءًا، لا من الله ولا من الإنسان فممّن تكون قد صدرت؟ ممّن عُرف بـ "الشّيطان"! وهو ملاك مخلوق خلقه الله حسنًا، لكنّه كان قابلاً للفكاك عن الله عن إرادة. وقد شاء هذا المخلوق فخطئ وصار شيطانًا بالخطيئة. الشّيطان، كمخلوق، إذًا، كان قبل الإنسان، وعرف الخطيئة قبله. ما الخطيئة؟ هي عبادة الذّات كإله من دون الله. الله هو الله بالمحبّة. ليست المحبّة أن يحبّ الله نفسه. المحبّة تَفترض وجودَ آخر. هل كان ممكنًا أن يكون هناك آخر بإزاء الله منذ الأزل؟ كلا! هذا جعل أنّ محبّة الله، إمّا كانت، من البدء، حبًّا للذّات، أو عبادة للذّات، ومن ثمّ محبّةً في الخطيئة. ولو كانت كذلك لما كان الله خالقًا ولما كانت هناك خليقة. محبّةُ الذّات عقيمة! تميت الحياة ولا تنتجها. إذًا لو كانت المحبّة عبادةً للذّات، محبّة للذّات، لما كان اللهُ اللهَ. ماذا يبقى؟ ماذا يبقى لكي تكونَ المحبّةُ محبّةً ولكي يكون اللهُ محبّة؟ يبقى أن يكون هناك آخرُ في الله، وآخر منذ الأزل. هذا أسمى من أن يدركه مخلوق. لذلك استبان الله، بالكشف الإلهيّ، ثالوثًا. وما دام الأمر كشفًا فليس برسم الإدراك العقليّ بل برسم الإيمان بالله؛ والإيمان، بمعنى، هو إدراكٌ روحيّ أعمق من الإدراك العقليّ، بما لا يقاس، بالأحرى بداهةٌ كيانيّة بنعمة الله الّتي بها كان الكشف لبني البشر. والثّالوث ليس مؤشِّرًا لوجود ثلاثة آلهة. الثّالوث قولٌ إن في الله آخر. الثّالوث ليس مؤشّرَ تعدّدٍ لله، وإن كان هذا ما يراه العقل بالإدراك العقليّ بين النّاس. الثّالوث مؤشّر آخَريّةٍ (Otherness) في الله، وهذا لا يُقبَل إلاّ بالإيمان، كنعمة، دون القوى الإدراكيّة للإنسان. ولماذا الكلام على آب وابن وروح قدس؟ لا نعرف عمق ما في الله. ولكنْ نعرف، بخبرة النّاس، أنّ حركة المحبّة، ومن ثمّ حركة الخصب، أقلّه كما تتجلّى لنا، ثالوثيّة الطّابع. بشريًّا، المحبّة أبٌ وأمّ وطفل. والخصب في الطّبيعة كذلك: زهرة وتلقيح وثمر! الطّيور كذلك، الحيوانات كذلك... وإن كان الله، ثالوثًا، قد صار إلينا بالكشف الإلهيّ، فإنّه ما كان ليُكشَف لنا ما هو أسمى من إدراكنا لو لم نكن قد خُلقنا على صورته، وكان لنا، فيما بيننا، ما يُشار إليه، ثالوثيًّا، بناموسِ الحياة المنبثقة من محبّة الله، أو، بالأحرى، من الله المحبّة!

على هذا استبانت محبّة الله في حركة الانسكاب الكامل للآب في الابن وللابن في الرّوح القدس؛ وكذلك استبانت في إزائيّة كلِّيّة لا يظهر فيها الآب والابن والرّوح القدس، كلٌّ في ذاته، بل في الآخر. كلٌّ يشهد للآخر ويستبين في الآخر. أمّا وحدة الله فما نعرفها لأنّ الله شخص واحد، كما يظنّ ويزعم الّذين يصرّون على ذلك، مخطئين، وهم يعتمدون على ما يرونه بعين العقل. كذلك لا نعرف الله جوهرًا واحدًا، كما يتكلّم الفلاسفة، لأنّ الجوهر غير قابل للمعرفة. فقط نستدلّ على جوهر الله الواحد ممّا ينبعث منه ويدخل نطاقَنا البشريّ، كما نستدلّ على جوهر البشريّة الواحد من معرفة الكائنات البشريّة. مِمَّ نستدلّ، إذًا، على الجوهر الواحد لله؟ من محبّته! بالنّسبة لنا، الله واحد لأنّ محبّته واحدة، وهي واحدة لأنّها كاملة وكلِّيّة. الله محبّة، ولا نقول الله يحبّ، لأنّ كلّ المحبّة فيه وكلّ الله فيها. هو المحبّة، كيانيًّا، وهي إيّاه. المحبّة ليست مسألة علاقة وإن كانت تظهر في العلاقة. المحبّة، في مداها الأقصى، ليست شيئًا (something) بل كائن (someone) بإزاء كائن. "لجّة تنادي لجّة". لذلك الله واحد. من تمام المحبّة هذه نستدلّ على الجوهر الواحد لله!

بالعودة إلى ما سبق، نقول لا يحبّ الله ذاته ولا يعبد ذاته لأنّه المحبّة. ولأنّه المحبّة الكاملة نعبده. أمّا الشّيطان فلا يحبّ إلاّ ذاته ولا يعبد إلاّ ذاته، لذلك ليس الحقّ فيه ولا محبّة الله، وليس هو بإله بل مستألِهٌ. ليس هو نورًا بل مَظهرُ نور. على هذا كان الشّيطانُ هو الكذّابَ والحيّالَ والخدّاعَ، وهو القتّال. والخطيئة هي روح الإستئلاه وملؤها الكذب والقتل وما منهما وما إليهما.

وعَرَض الشّيطانُ على الإنسان الألوهةَ كما عرفها بالخطيئة، أي بمخالفة الله. جعله يقبلها بالحيلة والكذب. دفعه إلى الدّخول معه في حوار (تك 3: 1 – 2). كذّبَ الشّيطانُ اللهَ وهو الكذّاب (تك 3: 4). أدخل في وجدان آدم وحوّاء الشّكَّ في ما لنيّة الله بشأنهما (تك 3: 5)، وقرن ادعاءاته بفتح عيونهما الدّاخليّة على متعة الخطيئة رغم أنّ الله حرمهما منها صريحًا (تك 3: 6). لذلك استبان الشّيطانُ حيّةً لأنّها رمزُ الحيلة. بكلام سفر التّكوين "أَحْيلَ جميع حيوانات البرّيّة" (3: 1).

ويُسأَل: ماذا جنى الشّيطانُ من إيقاع الإنسان في الخطيئة؟ لأنّ الخطيئة، تحديدًا، هي عشق الذّات وعبادة الذّات وروح الإستئلاه بالإيهام، فإنّ عبادة الذّات تدفع الخاطئَ، تلقاءً، إلى التّسلّط، بالخدعة، على خليقة الله. الخليقة وقود للخاطئ! مِتعتُه أن يُفسدها وأن يسودها. لا قوّة للشّيطان ولا للخاطئ ولا للخطيئة إلاّ متى انطلت الحيلة على المحتال عليه. إذ ذاك، بتبنّي المحتال عليه لها، يتّخذها، يلتزمها، تصير إيّاه، تصير قويّة فيه، يعطيها نفسه وقوّته، تصير لديه هوّيّة جديدة وطبيعة ثانية، من غير خلق الله!

هكذا انحدرت الخطيئة من الشّيطان إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى الإنسان نزولاً إلى مجيء المخلّص، مسيح الرّبّ.

الخطيئة، أوّلاً، فِكْرٌ، وهي تنبع من القلب الخاطئ. لذلك الخطيئة ذات طبيعة روحيّة سوداء. فِكْرُ الخطيئة، إذًا، روح سوداء. الفكرة النّابعة من العقل من طبيعة إدراكيّة، ولا قيمة روحيّة لها، في ذاتها، فيما فِكرُ القلب من طبيعة روحيّة. لمّا قَبِل الإنسان فكر الخطيئة الشّيطانيّ دخل هذا الفكرُ، بالأصوات والمعاني، من أذنه إلى عقله المدرِك، ومن عقله المدرِك انحدر إلى قلبه. بنتيجة ذلك مَرِض القلبُ بمرض عشق الذّات وعبادة الذّات. هنا كان بيتَ الدّاء ولا زال. الصّحّة، صحّة النّفس والجسد، تأتي من القلب وكذلك المرض. صحّة الإنسان، في عمقها، روحيّة وكذلك مرضُه. لا يكفي أن نتصوّر الإنسان نفسًا وجسدًا فقط. الإنسان نفس وجسد وقلب أو روح أو ذهن، أوّلاً. القلب، أو الكيان، هو ما يحدّد ما لنفس الإنسان وجسدِه. مَرَضُ الجسد مردُّه، بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، الخطيئة في الكيان، وكذلك مرضُ النّفس. وراء كلّ مرض جسديّ وكلّ مرض نفسيّ روحُ مرض أو فكرُ مرض أو خطيئةٌ في القلب. الجسد كجسد لا يُخطئ ولا النّفس كنفس تخطئ. الجسد والنّفس يحملان تَبِعَة الخطيئة في الكيان. والنّفس والجسد متداخلان. الإنسان، من هذه الزّاوية، جسدانفسانيّ. ما في الجسد يوثّر في ما في النّفس وما في النّفس يؤثّر في ما في الجسد. المرض الجسديّ يُحزن ويُقلق النّفس، والحزنُ والقلقُ في النّفس يتسبّبان بمرض الجسد. ولكنَّ هذا التّأثّر والتّأثير المتبادلان، بين النّفس والجسد، ليس حلقة مغلَقة، بل الباعث عليهما معًا وعلى حركة تأثّرهما وتأثيرهما هو خطيئة القلب، أي عبادة الإنسان لنفسه وتمسُّكُه بصنع مشيئته الذّاتيّة.

معالجة ما هو في مستوى النّفس والجسد ليس، واقعيًّا، معالجةً لأسباب المرض بل لعوارضه. المعالجة الجذريّة هي معالجة لروح المرض في الكيان لا لظواهره في النّفس والجسد. طبعًا، اللجوء إلى الأدوية والعلاجات لمواجهة أمراض النّفس والجسد أمرٌ مبارَك لأنّ فيه محبّةً وتخفيفًا عن المريض. لكن الاكتفاء من العلاج بما هو للنّفس أو للجسد قِصْرُ نَظَر! ما لم نَطَلْ ما في القلب، ما هو من واقع روح الإنسان، فإنّنا نكون كمَن يكتفي من علاج الأشجار بما هو للأغصان دون ما هو للجذور. بَلاَ، إذا ما أحسنّا العلاجَ ضدّ الخطيئة، في مستوى القلب، فلا شيء يمنع، في المبدأ، أن نُشفى في مستوى النّفس والجسد معًا. وإذا ما استمرّت المعاناة في الجسد والنّفس، رغم ذلك، فإنّها لا تكون لأسباب مرضيّة بل لضرورة شهاديّة. الله يسمح للخاطئ بأن يَمرض لكي يتوب، أمّا القدّيس، فإذا ما سمح الله بمرضه فإنّه يكون شهادة لمحبّة الله، إذ يُعطَى القدّيسُ فرصةً لقبول المعاناة تعبيرًا عن كونه يحبّ الله، ومن ثمّ يصبر، من أجله، على كلّ المحن والأدواء، أكثر من حبِّه لذاته ولأن يُشفى من آلام النّفس والجسد. الإنسان الصّحيح المعافى، عندنا، هو الإنسان القدّيس!

اللاّهوت، في فهمنا، كشف لحقيقة الأبديّة في زمن النّاس. والغرض، من هذا الكشف، هو الدّخول في حياة جديدة. والحياة الجديدة هي الحياة الرّوحيّة. والحياة الرّوحيّة هي الحياة في المسيح، أو حفظ الوصيّة، بقصد علاج كيان الإنسان بتنقية القلب. ونقاوة القلب هي الشّفاء، والشّفاء هو الخلاص، والخلاص هو التّحرّر من ربقة الخطيئة والموت. والتحرّر من ربقة الخطيئة والموت هو استعادة الإنسان إلى الله، واستعادة الإنسان إلى الله ليس بالعودة إلى حالة ما قبل السّقوط، بل بالتّرقّي إلى الحالة الّتي ما كان الله سمح بالسّقوط لو لم يكن قد شاء أن يبلِّغ الإنسانَ إليها.

كلّ هذا يجعلنا ندلف إلى الزّمن الجديد منذ الآن! نسلك في الأبديّة، آنيًّا، وفق أصول الحياة الرّوحيّة. نلتمس ما هو فوق هنا. نحيا في الرّوح ونحن في الجسد ليمسي الجسد، كلّ يوم، سلّمًا مصعِدة إلى السّماء. "الجسد لا ينفع شيئًا. الرّوح هو الّذي يحيي". "ولا يكون الموت في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد لأنّ الأمور الأولى قد مضت" (رؤ 21: 4). "ها أنا أصنع كلّ شيء جديدًا" (رؤ 5: 5)! صحيح أنّ يسوع "أخذته سحابة عن أعينهم" (أع 1: 9)! ولكنْ صحيحٌ أيضًا قولُه "ها أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدّهر" (مت 28: 20)! مَن هو فوق هو هنا أيضًا ليجعل مَن هو هنا معه فوق... منذ الآن!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما








التوقيع
بينما يتناقش علماء اللاهوت في امور الدين يتسلل الكثير من البسطاء الي الملكوت
bandalaymon غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 09-01-2011, 03:56 AM   #27
الإدارة العامة للشبكة
 
الصورة الرمزية bandalaymon
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
رقم العضوية: 26
العمر: 36
المشاركات: 1,389
بمعدل: 0.55 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 bandalaymon is on a distinguished road



11-5 أزمنة الشّهادة!

 

المسيحيّ، في نهاية المطاف، هو شهيد محبّة المسيح! كلّ الحكاية حكاية حبّ! الشّاهد والشّهيد واحد. الإيمان هو معاينة يسوع، بالكلمة، في عمق القلب. "إن اعترفت بفمك بالرّبّ يسوع وآمنت بقلبك أنّ الله أقامه من الأموات خَلَصت" (رو 10: 9). المُشاهِد، بنعمة روح القدْس، أسيرُ الشّوق الإلهيّ، يشهد بالفم ويشهد بالدّم، متى شاءه ربُّه. "أنتم شهودي يقول الرّبّ" (إش 43: 10). يسوع، معلِّمَنا، علّقوه على خشبة. ليس تلميذٌ خيرًا من معلّمه. "كلّ مَن يعترف بي قدّام النّاس أعترف أنا أيضًا به قدّام أبي الّذي في السّموات" (مت 10: 32). "مَن يحبّ نفسَه يُهلكها ومَن يُبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبديّة" (يو 12: 25)!

في زمن النّعمة، المسمّى بـ "تاريخ الكنيسة"، كلّما وهنت شهادة الكلمة واحتقنت شهادة الدّم، غُيِّبَ الإيمانُ واستغرب بنو الكنيسة، في عمق القلب، عنها. الشّهادة ضرورةُ وجودٍ حتّى لا يَفتُرَ المؤمنون ونبيد! سلام العالم غربةٌ عن روح الله. إن صلّينا من أجل سلام العالم، في كلّ آن، فليس ذلك طلبًا للسّلام الّذي يعطيه العالم، بل للسّلام الّذي يعطيه يسوعُ، بنا، للعالم! الكشفُ أنّه في العالم سيكون لكم اضطرابٌ، فيما الوعد السّيّديّ هو هذا: "سلامي أُعطيكم لا كما يعطيكم العالم". سلام العالم يجعلكم تحبّون العالم ويجعل محبّة الله تنحسر من نفوسكم حتّى الجحود ونسيان الله. زمن البَرَكة، كما تجلّى في تاريخ الكنيسة، كان، بالأحرى، قرينَ زمنِ اضطهادِ العالم لنا! واقعُ العالم أنّه يُدخلنا في مساومات لا حصر لها وفي باطنيّةٍ قتّالة وتلفيقٍٍ مُضْنٍ. سلام العالم يجعلنا، وضعًا، دهريّين، جبناء، حتّى لَيَندُر أن تجد، في مناخ سلام العالم، مَن يقول حقَّ الإنجيل، زلالاً، خوفًا على مصالحه، ومَن هو مستعِدٌّ لأن يموت من أجل يسوع، خوفًا على حياته! الحقّ، في إطار سلام العالم، أسيرُ الباطل أو قتيلُه أو أقلّه، ويسوع، في الإطار عينه، مستعادٌ إلى القبر، ولا قيامة له بيننا، ولا مَن يحدِّث كيانيًّا ووجوديًّا عنها!

ليس العصرُ الذّهبيّ، في تاريخ الكنيسة، زمنَ الممالك المسيحيّة، شرقًا وغربًا، بل زمنُ شهاديّة القرون المسيحيّة الثّلاثة الأولى. الممالك المسيحيّة، في العمق، أَفسدت أو فتكت، بعامة، بروح الشّهادة، أو أوهنتها، إلاّ ما انحفظ، هنا وثمّة، منها، لا سيّما بوساطة بعض الرّهابين والنّسّاك والأوساط المتأثّرة بهم. وما سماحُ الرّبّ الإله بزوال هذه الممالك إلاّ مؤشِّرًا لكونها قد أضحت عثرة لكنيسة المسيح! المحكوميّةُ استبانت، بعامة، أنسبَ، لحفظ استقامة الرّأي، من الحاكميّة! شئنا أم أبينا، فرحُ الرّبِّ لم يأتِ إلى العالم إلاّ بالصّليب. هذا يجعل أنّه في بطن الظلم والضّيق الّذي يعانيه المؤمنون في المسيح، يستقرّ فرحُ الرّوح القدس في نفوسهم! السّلام، بمعنى غياب الاضطهاد، ليس دائمًا مفيدًا للمؤمنين، وهو يبدو استثناءً ولا يُعطَى إلاّ قليلاً! فإن طال وزاد عن حدّه تعرّضت النّفوس لتجربة الخوَر والبطر! المناخ الأسلَمُ، روحيًّا، كما يبدو في القراءة القويمة لتاريخ الكنيسة، كان أن يبقى المسيحيّون على قدر من الضّيق، من جهة العالم، وأن يضيِّقوا، هم، على أنفسهم، بالنّسك والصّلاة، ما أمكن، حتّى يثبت فيهم التّوتّرُ إلى الحياة الأبديّة، وحتّى تنفرج دواخلُهم عن الرّاحة الحقّ الّتي تنزل عليهم من فوق، من روح الله، من عند أبِ الأنوار!

تاريخ النّعمة في الكنيسة تاريخ شهادات نَحَتْ، بعامة، على الزّمن الشّهاديّ الأوّل. مفاعيلُها كانت، إلى تنقيتها نفوسَ الشّهداء من أدران النّفس والجسد وإضفائها أكاليلَ الحياة على مَن استُشهدوا لاسم المسيح، عن وعي أو عن غير وعي منهم، أقول مفاعيلها كانت أنّها كرّست غلبةَ مسيحِ الرّبّ، بالرّوح، مرّة بعد أخرى، على أمير هذا العالم، من حيث إنّ الشّهداء لم يُنكروا المسيح حتّى الموت، فانبثّ روحُ القدس مكثّفًا، بالأكثر، في الأرض، وأحيى المواتَ بين النّاس وحرّك النّفوس وفتح أعين العميان في قلوبهم!

من هنا كلام الأوّلين الصّارخ والصّريح، في شأن شهادة الشّهداء. بالنّسبة لترتوليانوس المعلّم (+ 197 م) مثَلاً، "دم المسيحيّين هو بذار الكنيسة". والقدّيس يوستينوس الشّهيد (+ 160 م) يؤكّد أنّه رغم أنّ الشّهداء كانت تُقطع رؤوسُهم ويُصلَبون ويُلقَون للوحوش وفي النّار، فإنّ العذابات، إذ اقترنت بثبات هؤلاء الشّهداء، كانت تدفع النّاسَ، بالأكثر، وبأعداد متزايدة، إلى اقتبال الإيمان وعبادة الله باسم يسوع. أوريجنيس المعلّم اعتبر، من ناحيته، في زمانه (+ 248 م)، أنّ المسيحيّين كانوا يَعتبرون أنّه من المعقول والمَرْضِي لله أن يكابدوا الألم التماسَ الفضيلةِ وأن يتعرّضوا للعذاب طلبًا للتُقى، حتّى أن يموتوا من أجل القداسة لأنّه كريمٌ في عين الله موت أبراره. وكانت لترتوليانوس المعلّم هذه الصّرخة في وجه مضطهِدي المسيحيّين: "وحشيّتكم مجدُنا"! من جهة أخرى، في رسالة حول مجد الشّهادة، من العام 255 م، أنّ السّماء تتشرّع لدمائنا... وأعظم الإكليل إكليل دم الشّهداء!

إلى ذلك، كان ثمّة حثٌّ على الشّهادة بين المسيحيّين، وإعدادٌ واستعدادٌ للموت من أجل يسوع. هذا شَغَل العقول والقلوب بقوّة! في رسالة للقدّيس كبريانوس القرطاجي (+ 250 م) إلى المدعو فرتوناتوس كلام معبِّر في هذا الصّدد: "هيّا بنا، نحن الّذين، بإذن الله، أعطينا المعمودية الأولى للمؤمنين، نُعِدّ كلَّ واحد لمعمودية أخرى، أيضًا،... يقوم بها الملائكة ويَفرح بها اللهُ ومسيحُه... وتضمّنا، للحال، إلى الله إذ نخرج من العالم. في معمودية الماء يتلقّى المرء غفران الخطايا، أمّا في معمودية الدّم فيتلقّى إكليل الفضائل. هذا ما علينا أن نحتضنه بشوق... بالصّلوات والتّضرّعات... لنصير عشراء الله أيضًا...".

وترتوليانوس المعلّم، في رسالة إلى الشّهداء، صدح بكلام من روح ونار لمّا قال: أيّها الشّهداء المبارَكون... روحُ القدس دخل معكم إلى السّجن... العالم هو السّجن الحقيقيّ... لقد خرجتم من السّجن ولم تدخلوا إليه... انتقلتم إلى موضع آمن... المكان عتمة لكنّكم أنتم نور... فيه قيودٌ لكنّ اللهَ جعلكم أحرارًا... الرّوائح هناك مزعجة لكنّكم أنتم الطّيب... سجنُكم معتزَل كمعتزل يسوع ويوحنّا... ولو كان الجسدُ مقفَلاً عليه فكلّ شيء مشرَّع للرّوح... لا تشعر السّاق بالسّلاسل حين يكون الذّهن في السّموات... تخوضون، الآن، صراعًا، اللهُ فيه الرّقيبُ والرّوحُ القدس المدرِّبُ، والجائزةُ إكليلٌ أبديّ ذو جوهر ملائكيّ ومواطنيّةٌ في السّموات ومجدٌ أبديّ.

هذا كان المناخَ الوجدانيّ للمسيحيّين، يومذاك، هنا وثمّة، وهذا ما كان يعتمل في عقولهم وقلوبهم. "الحياة لي هي المسيح والموت ربح". هكذا انسكب روحُ القدس غزيرًا في العالم من تلك الفتحة في تاريخ الكنيسة. ومن بركات دم الشّهداء وروح الرّبّ عاش المؤمنون قرونًا ولا زلنا. يومها عرفنا القداسة حياة جديدة في الرّوح وتعاقبت الأجيالُ على معرفتها، فصارت الشّهادة، أبدًا، علامةَ السّلامة والعافية جيلاً بعد جيل، ولا زالت وستبقى. الشّهادة للمسيح، في كلّ أمّة وزمن، إن ضمرت، ذبُلَ الإيمانُ وغرق النّاس في مستنقع ما لا ينفع!

الثّورة الشّيوعيّة، في المدى السّلافي، بخاصة، وأقصد، على نحو أدقّ، الرّوسيّ، سبعين من السّنين دامت. دماءٌ غزيرةٌ انسكبت فيها ودموعٌ! آلامٌ وصرخاتٌ تعالت حتّى أعلى السّموات! أكبادٌ تمزّقت! مآسٍ حدثت. كلّ هذا موجِع ولا أوجع! ولكنْ، حقّ علينا أن نتساءل: ألم يكن إصبعُ الله في كلّ ما جرى؟ أكان ذلك غريبًا عن تاريخ حركة الرّوح في كنيسة المسيح؟ ألم نقرأ في رؤيا يوحنّا اللاّهوتيّ (الاصحاح 12) أنّ التّنّين ذهب ليصنع حربًا مع باقي نسل المرأة الّتي وَلدتْ الابنَ الذَّكَر، الّذين يحفظون وصايا الله وعندهم شهادة يسوع المسيح؟ ألم نقرأ في الاصحاح 14 أنّه هنا يكمن صبرُ القدّيسين الّذين يحفظون وصايا وإيمان يسوع؟!

إذًا الثّورة البلشفيّة كانت، بالأحرى، عملَ التّنّين للقضاء على نسل المرأة المتسربلة بالشّمس والقمرُ تحت رجلَيها (12: 1)، وما قدر التّنّين عليها! احتشد الرّوحُ، بالأكثر، في بلاد الرّوسيّا وفي كلّ العالم. اليوم بلاد الرّوسيّا مخزنٌ مشحون بروح القدس! الله لا يُشمَخ عليه! لو لم تُعلَّق بلاد الرّوسيّا على الصّليب سبعين سنة لكانت، اليوم، تافهة، كنسيًّا، تفاهةَ أكثر أوروبا الغربيّة، إلاّ الجزر القليلة من الشّهود الّذين يعانون اليوم مؤمرات عملاء إبليس هنا وثمّة، في تلك البلاد!

وما حصل بالأمس ويحصل في العراق ومصر ونيجيريا وسواها من ضَرْبٍ لعُزّل المسيحيّين وفتكٍ بهم في بيوتهم وكنائسهم لا همَّ لنا أن نعرف مَن يقوم به. نعرف مَن يحرّض عليه! الشّيطان يزأر طالبًا مَن يفترسه. عملاؤه مضلَّلون وهم لا يعلمون! مصارعتُنا ليست مع لحم ودم بل مع أجناد الشّرّ الرّوحيّة في السّماويّات (أف 6: 12). لا سلاح لنا غير الحقّ والبرّ وإنجيل السّلام والإيمان وخوذة الخلاص وسيف الرّوح! لا جديد تحت الشّمس! فقط ثمّة غربلة تحدث! لا بين بين بعدُ! مَن ليس معي فهو عليّ! من زمان والمسيحيّون يُضطهَدون! غيرهم يَضطهدهم! اضطهادٌ من الدّاخل! أهواؤهم تضطهدهم! كلّ العالم يضطهدهم! المستهدَف مسيحُهم فيهم! يضطهدونهم بالقتل الجسديّ، بالإرهاب المسلّح، بالإرهاب الفكريّ! هذا كان ولا يزال وسيستمر! يظنّون أنّهم سيقوون علينا بالسّلاح؟ نعرف أنّنا سنقوى عليهم بالمغفرة! "اغفر لهم يا أبتاه لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون"! يظنّون أنّهم يخرسوننا بالإرهاب؟ إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ! يأتوننا بالكراهية نأتيهم بالحبّ! يَسْخرون منّا نبكي عليهم! يشاؤون إفناءنا نصلّي لأجل توبتهم! لا تقدرون أن ترفسوا مناخس! هذا زمان الرّضى حتّى نصحو! يوم يموت مسيحيٌّ أو مسيحيّون، هنا وثمّة، لأنّهم للمسيح، فهذا بنعمة من فوق. نحن أضعف، كبشر، من أن نواجه حقدَ الشّرّير وعنفَه. ولكنْ لأنّنا للمسيح هو يقوّينا. تحسبوننا أقزامًا، ونحن كذلك، في ذواتنا، لكنَّ روحه كفيل بتحويلنا إلى جبابرة لأنّ رجاءنا عليه! حيٌّ هو الله الّذي أنا واقف أمامه! لا قيمة، بعدُ، لكلامٍ سياسيّ يتردّد هنا وثمّة. لا يهمّنا، بعدُ، أن نعرف الدّوافع ولا أن نحلِّل المعطيات كما يحلِّلها المحلِّلون! يكفينا أن نرى وأن نعرف أيَّ روح يفتك بخراف المسيح! دماء المسيحيّين، في المسيح، غفّارة لخطاياهم وتوّابة لمَن سلّموا أنفسَهم لروح الغريب! "وسيمسح اللهُ كلّ دمعة من عيونهم والموتُ لا يكون فيما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع (رؤ 21)!!!

روح الرّبّ يحرّك المياه الرّاكدة! الشّهادة تستفيق! والشّهداء المحدَثون يعانقون شهداء البارحة! تلك نعمةٌ فوق نعمة يُضفيها العليّ على أحبّته، يَقلع بها كلَّ زرعٍ لم يزرعه الآب السّماويّ ويفجّر روحَ الرّبّ في مَن يشتاقون إلى مجيئه حتّى تمتلئ المخازن السّماويّة قدّيسين! "أيّها الرّبّ يسوع، تعالَ!"

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما








التوقيع
بينما يتناقش علماء اللاهوت في امور الدين يتسلل الكثير من البسطاء الي الملكوت
bandalaymon غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 16-01-2011, 03:48 AM   #28
الإدارة العامة للشبكة
 
الصورة الرمزية bandalaymon
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
رقم العضوية: 26
العمر: 36
المشاركات: 1,389
بمعدل: 0.55 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 bandalaymon is on a distinguished road



11-5 كيف نتعاطى الآتي؟

 

موضوع السّاعة موضوع البطريرك العتيد! مَن يكون؟

أطال الله عمر غبطة بطريركنا أغناطيوس الرّابع لخير الكنيسة وقداسة نفسه.

يعطونك الانطباع وهم يتكلّمون كأنّك بإزاء صورة يتحوّل فيها الهيكل، من جديد، سوقًا للصيرفة وساحة لبيع الحمام!

نظريّة المؤامرة تستوعب الكثير من أمانيهم، لذا تلفاها قرينةَ كلامهم: صفقات، بيع، شراء، دول تتدخّل، جهّات مشبوهة تُسمَّى...

ثمّ تأتي التّوقّعات! كثيرون يشتهون الكرسي ويحلمون بها! ولكنْ، فلان، يقولون، صاحب الحظّ الأوفر في الوقت الحاضر! غير أنّ آخر مدعوم من هذه الجهة أو تلك! ثمّ لفلان علاقة طيِّبة بهذه الدّولة أو تلك! مع ذلك لتلك الدّولة حساباتها الخاصّة بها! وهكذا دواليك!

وتتساءل: أما لله، بين كلّ "اللاّعبين"، من دور؟! لعمري، مَن يطلب الأسقفيّة لنفسه لا يمكن أن يكون رجلاً لله!!!

يُقحمونك في مناخ غريب ينسيك، وأنت تسمع، أنّك في شأن كنيسة المسيح ولست في شأن مؤسّسة "تجاريّة" من مؤسّسات هذا الدّهر!

ما هو الصّحيح ممّا يدّعون وما صوابية تكهّناتهم؟ هذا ليس شأن المؤمنين لأنّك لست بإزاء مجلس بلديّ أو نيابيّ بل بإزاء كنيسة المسيح، الكلمةُ فيها تُلتَمس من فوق، من روح الله، ونحن فيها طائعون سمّاعون!

على أنّ لنا أن نعرف، وقد حُذِّرنا، منذ البدء، أنّه لا بدّ لذئاب خاطفة، لا تشفق على الرّعيّة، أن تدخل بيننا، وأنّه سيقوم قوم، عندنا، يتكلّمون بأمور ملتوية (أع 20: 29 – 30). لذا علينا أن نسهر (أع 20: 31)، بالحكمة والوداعة، ونصلّي (مر 14: 38) لكي لا ندخل في تجربة! ولنا أن نعرف، أيضًا، أنّ الرّعاة الصّالحين نعمة من عند الله نطلبهم منه بصفاء النّفس والنّيّة والصّلاة والقُرعة، كما فعل الرّسل الأحد عشر في اختيار الرّسول الثّاني عشر (أع 1: 24 – 25). كذلك لنا أن نعرف أنّه لا يقدر أحدٌ أن يخطف من يد الآب السّماويّ (يو 10: 29). لا يؤخذ ما لله مكرًا بل الله هو الآخذ مَن يحسبون أنفسهم حكماء بمكرهم (أي 5: 13)!

حتّى لو كنّا، اليوم، مستأهِلين التّأديب، وهذا قد لا يكون بعيدًا عن الواقع، حتّى لو كنّا مكتَنَفِين بمخطّطات شيطانيّة، فالله قادر أن يغيِّر المعادلات. لكنْ علينا، أوّلاً، أن نتوب ونقيم في الصّوم والصّلاة والدّموع والتّذلّل والضّراعة، حتّى لو بلغت حالُنا مبلغَ حال نينوى في أيّام يونان النّبيّ، ونودي فينا بأنّنا سنَنقلب بعد أربعين يومًا (يون 3: 4). إذا كان أهل نينوى قد نادوا بصوم ولبسوا المسوح من الكبير إلى الصّغير، حتّى المَلك، وصار صوم لا بين النّاس فقط بل بين البهائم أيضًا، وأُوعز إلى الجميع بالصّراخ إلى الله بشدّة وأن يرجعوا عن طريقهم الرّديئة والظّلم الّذي في أيديهم، إذا كان أهل نينوى قد فعلوا ذلك كلّه وأكثر، وعاد الرّبّ الإله عمّا كان ينوي فعله فيهم، أفما نبادر نحن إلى التّوبة والطّلبة ليصفح الله عن آثامنا ويعطينا راعيًا على قلبه؟! ولكنْ هل النّفوس في وارد التّوبة، والكثرةُ تظنّ أنّها بألف خير؟! ليس غير المآسي الكبرى تحرّك بعض النّفوس إلى توبة حقّانيّة!

سواء كنّا، اليوم، مستأهِلين للتأديب الإلهيّ أم لا، فإنّنا، بلا شكّ، في حال صعبة، ولو لم يكن بإمكاننا أن نجزم في قدْر قسوة الحال الّتي نحن فيها. الأوقات عصيبة! الكرسي الأنطاكيّ في مرحلة خطيرة من تاريخه! والأمور سائرة إلى الأسوأ إذا لم نتحرّك، ولمّا يرحمْنا الله برحمة من عنده! لا أدري ما إذا كان بإمكان شخص أو حتّى مجموعة من الأشخاص أن تغيّر الواقع جذريًّا! العالم كلّه في انحدار عن الله ونحن مشمولون بما يحدث! الانحراف في النّفوس كبير! الدّهريّة اخترقت الجميع! الفرديّة، المادّيّة، العقلانيّة، تَفَشّي الرّوح العلميّة حتّى العبادة بديلاً عن الإيمان بالله، تحطّم سلالم القيم على كلّ صعيد! الآلة الّتي تُضعف النّفوس وتشلّ الإرادة وتطلق الأهواء من عقالها! هذا هو الواقع الّذي، في إطاره، استحالت الإلهيّات شعارات والعبادات طقوسًا مجوّفة، والرّوحيّات نظريّات...

أنطاكيًّا، المجمع في صمت مميت! القوانين مسيَّبة! العبادة ساحة دهريّة بامتياز! الشّعب مهمَّش! قابع في الجهل واللامبالاة! بلبلة ليست بقليلة تسود إعداد الكهنة! الوجدان التّراثيّ يتآكل! الهويّة الكنسيّة تتحكّم بها الطّقوسيّة والحداثة والعبثيّة المسكونيّة! ما كان بالأمس علامة استقامة الرّأي بات، في نظر العديدين، مؤشّرَ رجعيّةٍ وأصوليّة! عطشٌ للسلطة وصراعٌ عليها على كلّ صعيد! وحدةُ أنطاكية باتت صوَريّة! قولٌ واحد، ولكنْ، ليس دائمًا! لا قلبٌ واحد ولا فكرٌ واحد ولا يدٌ واحدة ولا ممارسة تراثيّة واحدة! استعضنا عن الرّوحيّات بالاجتماعيّات والكتبيّات! وجهُ المسيح في الجماعة مفتقَد! قديمًا كان يقال عن المسيحيّين: انظروا كم يحبّ بعضهم بعضًا! اليوم يقال عنهم: انظروا كم صار كلّ واحد منهم لوحده! بات صعبًا أن تجمع ولو القلّة على رأي تراثيّ واحد وموقف تراثيّ واحد وممارسة تراثيّة واحدة! صار صعبًا عليك أن تلمح وجه المسيح إلاّ في وجوه قلّة من الأشخاص تتوزّع هنا وثمّة! الأكثرون يرون في غيرهم العيب ولا يرونه في أنفسهم!

مشكلاتنا أكبر منّا! في الظّاهر بعض عمران وبعض عِلم وثقافة نتباهى بها، وفي القلوب أطلال وأصنام فكريّة لا تعدّ ولا تحصى! أهواؤنا نَمَت فوق الحدّ وإرادتُنا وهنت تحت الحدّ وفقدان الحسّ زاد على كلّ حدّ!

مشكلاتنا أكبر من أن يعالجها بطريرك وأكبر من أن يعالجها أسقف وأكبر من أن يعالجها كاهن! ولكنْ، طبعًا، الكاهن المحبّ لله يساعد ويعزّي، وكذلك الأسقف الصّالح، وخاصة البطريرك الفاضل المتّقد بروح الرّبّ! حاجتنا إلى رجال لله بالكامل، إلى رجال تدمى ركبُهم من الرّكوع وتيبس أذرعُهم من رفعها في الصّلاة وتجفّ أحشاؤهم من قلّة الطّعام والماء صومًا! حاجتنا إلى رجال ينضحون نورًا ويبثّ الرّبُّ الإله من خلالهم نعمة ويُحيُون الإنجيل ويكونون مثالاً طيِّبًا في الفقر إلى الله ومحبّة الفقير وشهوة العبادة الحقّ والغيرة على استقامة الرّأي واحتضان الخراف حتّى بذل النّفس والدّمع والدّم والسّهر على تعليم النّاس أصولَ الحياة الرّوحيّة والحثّ على القداسة...

غدًا، متى حلّ ذلك اليوم، لا نتوقّع الكثير! فقط نرجو أن تكون الكلمة لله وننتظر تعزية! مَن يكون البطريرك الآتي؟ لا همّ مَن يكون! المهمّ أن يكون رجلَ الله ومِن الله! وسط لعبة الأمم المسلّطة فوق رأسنا كالسّيف لنا رجاء بالله أنّه لن يتخلّى عن شعبه ولو لصلاة القلّة! هذه عليها أن تصرخ الدّعاء وتشدّ الأحقاء في الصّيام وتستدعي رحمات الله بقوّة حتّى يَخرجَ لنا خادمٌ من حشا الله معزّيًّا الأكباد ومكفكِفًا الدّموع وململِمًا الشّتات ومشدِّدًا الرّكب المخلّعة، حاضنًا المأسورين والمقهورين والمساكين...

أكثير علينا أن يكون لنا رجل لله! يا ربّ، يا ربّ، اطّلع من السّماء وانظر وتعهّد هذه الكرمة وأصلحها فإنّ يمينك غرستها! هذا ما علينا أن نَحبَل به وروحَ الله توبةً صدوقًا تؤدّيها ولو القلّة عن الكثرة فدية حتّى ذلك الحين!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما








التوقيع
بينما يتناقش علماء اللاهوت في امور الدين يتسلل الكثير من البسطاء الي الملكوت
bandalaymon غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 24-01-2011, 04:19 AM   #29
الإدارة العامة للشبكة
 
الصورة الرمزية bandalaymon
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
رقم العضوية: 26
العمر: 36
المشاركات: 1,389
بمعدل: 0.55 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 bandalaymon is on a distinguished road



افتراضي النقد المحبَّب!

 

النّقد ضرورة لأنّ النّاس يتكاملون بالنّاس. ليس أحد معصومًا ولا فكرُه بلا شائبة ولا تعبيرُه كافيًا في ذاته ولا موقفُه منزَّهًا عن العيب. الكاتب والقارئ كلاهما بحاجة أحدهما إلى الآخر إذا ما كان للحقّ أن يُعرَف على أفضل وجه ممكن. ليس أحد على حقّ تمامًا إلاّ "الكلمة" الّذي هو الرّبّ يسوع والّذي هو الحقّ عينُه كلُّه. فيما عدا ذلك، الحقّ يتجلّى في الجماعة القويمة وقلّما يتجلّى في الأفراد إلاّ استثناءً، متى كان الضّلالُ عارمًا، أو يكاد، واستشرى الفساد، وكان ثمّة إرهابٌ فكريّ يُمارَس. فقط، إذ ذاك، يُعطَى الفردُ، بعضُ الأفراد، إذا ثبت في الحقّ، أن يقول الحقّ كلَّه وأن يكون هو الكنيسةَ من حيث هي ملء كلمة الحقّ وروح الله بين النّاس!

على أنّ النّقد نَفَس وموقف داخليّ محبّ قبل أن يكون معالجة لحرف أو لكلمة أو لفكرة أو لمقالة أو لكتاب. لا العِلم ولا الثّقافة ولا المنطق كافٍ لنقد سليم. هذه يمكن استعمالها في هذا الاتّجاه أو في الاتّجاه المخالف. الأدوات أدوات، ولبعض النّاس، أقلّه، القدرةُ الفائقة على ليّ الحجج الّتي يعرضون، والّتي قد تبدو مقنعة، باعتبار مقاصدهم الخاصة ومآربهم غير النّقيّة. هم أنفسهم قد يؤخذون بمنطق ما يقدِّمون ويصدّقون ما يحاججون به وهم كاذبون! الموضوع ليس موضوع حجّة وإقناع، الموضوع موضوع نيّة سليمة وقلب نقيّ أوّلاً!

مَن كان غيورًا للحقّ لا يمكنه إلاّ أن يكون محبًّا للآخرين، موقِّرًا لما يقولون، محترِمًا لهم. الغيرة للحقّ تعلِّم الاتّضاع، والاتّضاع يجعلك تعترف، تلقاءً، بما يكون مَن تقرأ له على حقّ فيه. وهذا الاعتراف لا يكون صوَريًّا أو عَرَضيًّا ولا تكتفي منه بمجرّد الإشارة المموَّهة إليه، أو تتجاهله وأنت عارفٌ به. إذا كنتَ محبًّا، فإنّك تعترف به بالفم الملآن وبفرح، لأنّه لا يخصّ مَن يتفوّه به بل مَن يصير التّفوّه به من أجل مجد اسمه القدّوس. هذا لا أحد يمكن أن يرصده في نفسك، إلاّ أنت ومَن كانت له موهبة خاصة من فوق. لذا أنت، أوّلاً، مَن يُفترَض أن ينظر إلى ما في نفسه لكي يأتي نقدُك شهادة للحقّ لا بلبلة للنّفوس على حساب الحقّ وتفلّت أهواء!

في هذا الإطار، لا حقّ لأحد في أن يجعل النّقد مجالاً لتنفيس ما في صدره من غيرة أو حسد أو عداء أو انتقام أو تجريح أو تهكّم! هذا نقدٌ رخيص مضلِّل لا قيمة له. إذا كان الحقّ من المقدّسات، فالنّقد جزء من هذه المقدّسات لأنّ غايته الاستزادة من جلاء الحقّ. لا عبث بالقدسات! ليس النّقد لإثبات الذّات ولا هو مجال للثّرثرة ورصف الكلام الأجوف ولو كان بمظهر برّاق متأنّق! النّقد مسعى روحيّ أوّلاً! استقامته من استقامة القلب. وهو فعل إيمان بالله، وأمر جدّيّ جدًّا وليس لصغار النّفوس! الكلمة شأن خطير!

على هذا فإنّ للنّقد، لكي يكون بنّاء، أن ينظر النّاقد، أوّلاً، في بركات ما قيل ويبيِّن أهمّيّته، كما لو كانت منه وله، بتجرّد من كلّ غرضيّة رخيصة. ثمّ متى لامس بعضَ ما قيل، ولاحظ أنّ فيه نقصًا أو عيبًا، فإنّه يقاربه بلطافة وتهذيب وكِبَر، جاعلاً الكلام في صيغة الظّنّ أو التّقدير، فتأتي الملاحظة أو الملاحظات كمنبعثة من قلب متّضع وموقف وقور ونُبْل، كمَن لا يشاء أن يأتي كلامُه قاسيًا وقحًا "مُنْزَلاً" لأنّ المحبّة تتأنّى وترفق. هذا يريح وينفع صاحب المقال، بدءًا، ويوسع أفقَه، كما يشقّ طريقه إلى نفوس القرّاء برفق محبَّب ينير الفكر ويبني القلب دون أن يترك في النّفس بلبلة وجرحًا، إذا ما كان النّاقد ليستخفّ بقول صاحب المقال ويشاء إفحامه والطّعن في مقولته إبرازًا لتفوّق مزعوم عليه. هذا قد يبعث الشّكّ بلا مبرِّر حقيقيّ في نفس القارئ في مجمل ما قاله كاتب المقال أصلاً، مطيحًا الكثيرَ من النّقاط الجديرة بالاهتمام فيه، كما يترك في نفس القارئ نكهة غير طيِّبة في شأن النّاقد وما في نفسه من عنف وزغل وإصراره، بثقة مفرطة بالنّفس، على الطّعن في مجمل ما أتى به صاحب المقال مصوِّرًا إيّاه كجاهل أو رجعيّ أو زمِّيت أو ما أشبه. لا هذا ينفع صاحب المقال إذ يشكّل حاجزًا نفسيًّا يمنع عنه الفائدة من النّقد المُبدَى، ولا كذلك ينفع النّاقدَ عينه إذ يبيِّنه مغرورًا بنفسه وبما يبديه، صغير النّفس، محدودًا في أفقه الفكريّ، ضيِّقَ الصّدر، عاجزًا عن التّفاعل وما لدى الآخرين. ولا هذا ينفع قارئ المقال والنّقد في شأنه معًا إذ يدفعه إمّا إلى مغادرة ما يقرأ لأنّه لا يريح، وإمّا إلى التّحيّز عن هوى إلى هذا أو ذاك، وهذا يسيء إلى قضيّة الحقّ المطروحة برمّتها ويحوِّلها إلى ساحة صراع، تلغي الآخرين فيها أو يلغونك، تُقحم أفكارك، بالإقناع الخادع، أو يسقطونك!

لا شكّ أنّنا، في أوساطنا، بحاجة إلى اقتناء الآداب والأخلاق الخاصة بالكتابة حتّى تأتي كتابتنا في خدمة الحقّ لا في خدمة نزعة الكتّاب والنّقّاد والقرّاء إلى التّسلّط والاستكبار والتّرويج لأفكار مشيَّعة عليها أكثر من علامة سؤال. هنا يتساءل المرء: لماذا علينا أن نصرّ على أسلوب الشّتم والتّحقير والاستصغار في تناول ما يأتيه الآخرون؟ ألم يقل الكتاب إنّ الكلام القاسي يهيِّج السّخط والكلام اللّطيف اللّيِّن يهدِّئ الغضب؟ لماذا علينا، بخاصة، نحن الشّرقيّين، أن نستمرّ، أحيانًا، فرديّين، إنفعاليّين، مسطَّحين، لا محبّين ولا علميّين ولا تكامليّين في تعاطينا الكلمة والحقّ؟!

ثمّة مَن يمتلئون حقدًا وتُشحَن نفوسهم عداءً وأفكارُهم نقدًا حتّى قبل قراءة مقال، هنا وثمّة، فقط لمجرّد معرفة اسم الكاتب! يصنِّف بعضُنا البعضَ الآخر بسهولة ولا يعود بإمكاننا أن نقرأ بموضوعيّة وروح علميّة ومحبّة. لا نرى ممّا يُعرَض إلاّ الأسود ونقرأ الأفكار في غير سياقها ونعتمد على الظّنّ في ما قيل ونتوقّف عند ما نحسبه نوايا الكاتب ويهمّنا أن نهشّمه ونهمِّشه ما قدرنا وكأنّ وجوده تهديد لنا! لمنفعة مَن هذا النّهج في تعاطي الكلمة؟ في هذا السّياق حتّى الّذين لا يعرفون عمّا يتكلّمون يريدون أن يدلوا بدلوهم في النّقد "العبثيّ"، وكأنّ النّقد النّاجح موضوع شتم وتجريح وصياح، فيما لا يجرؤ الكثيرون على فتح أفواههم بكلمة لاذعة واحدة إذا كان المتكلّم من المحسوبين عليهم، أو من الّذين لهم مصلحة في السّكوت عنهم أو مداراتهم! هذا انحطاط ليس بقليل بين الّذين يتعاطون الكلمة وهم جديرون بها، لو أرادوا، أو طارئون عليها! أَخرِج، أوّلاً، الخشبة من عينك، إذ ذاك تُبصر، جيِّدًا، أن تُخرِج القذى من عين أخيك للفرح! أما يجعل العداء الضّمنيّ الكلمةَ رخيصةً وخطيرةً ومؤذية معًا؟ لَعمري مَن ازدرى بالكلمة، على هذا النّحو، يخرب نفسه ونفوس الآخرين (أم 13: 13)، ويشوِّش ويزوِّر، وهم لا يعلمون!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما








التوقيع
بينما يتناقش علماء اللاهوت في امور الدين يتسلل الكثير من البسطاء الي الملكوت
bandalaymon غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
قديم 30-01-2011, 03:58 AM   #30
الإدارة العامة للشبكة
 
الصورة الرمزية bandalaymon
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
رقم العضوية: 26
العمر: 36
المشاركات: 1,389
بمعدل: 0.55 (مشاركة/اليوم)
التقييم: 10 bandalaymon is on a distinguished road



افتراضي من الخطيئة إلى الكارثة الكونيّة!

 

كيف نفسِّر تأثير سقوط الإنسان على الطّبيعة؟ كيف يمكن لخطيئة الإنسان أن تجعل العواصف والبراكين والزّلازل ما هي عليه؟ كيف تؤثّر الخطيئة في إحداث الحروب؟

هذه وما يماثلها من أسئلة يطرحها المؤمنون، بعض المؤمنين. مَن هم خارج نطاق الإيمان، بعامّة، حتّى بعض المسمَّين مؤمنين، وهم مشبعون بفكر غريب عن كنيستهم، لا تخطر ببالهم أسئلة من هذا النّوع، وإن اطّلعوا عليها اعتبروها لغوًا. إذًا محاولتنا الإجابة عن مثل هذه الأسئلة هي للمؤمنين القويمين أوّلاً، ومن ثمّ للمتّضعين في الفكر، الحاسبين ما يعرفون محدودًا، الباحثين، بانفتاح قلب وعقل، بلا عِقَد، عن الحقّ في ما هو من فئات فكرهم وفي ما ليس كذلك، يحدوهم، بعمقٍٍ، هاجسُ استطلاع الحقّ في الوجود، كلّ الوجود، حيثما استدعاهم ولفتهم.

أمّا بعد فإنّ القراءة الإيمانيّة، ومن ثمّ الرّوحيّة، لما هو حاصل في البيئة والكوارث الطّبيعيّة والصّراع بين أقوام الأرض، هي غير القراءة الفلسفيّة أو الإدراكيّة أو العلميّة لها. في الإيمان لا نبحث عن فهم بشريّ لِما نتعاطى، أي عن معاينة ما نتعاطى معاينةً عقليّة إدراكيّة، لأنّ ما نتعاطاه يتخطّى الفهم والعقل والإدراك. ليست الرّوحيّات، في وجداننا، خاضعة للعقليّات بل العقليّات للرّوحيّات. الرّوحي يَحكم في كلّ شيء ولا يُحكَم فيه من أحد (1 كور 2: 15). لذا لا نبحث عن كيفيّة أو تفسير تأثير بِرّ الإنسان، أي سلوكِه في ما يرضي الله، ولا تأثير خطيئة الإنسان، أي حرمانه من نعمة الله، في الإنسان نفسه وفي الأرض. فقط نلتمس وجه الله بالإيمان، وبالإيمان وحده، لأنّه "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه لأنّه يجب أنّ الّذي يأتي إلى الله يؤمِن بأنّه موجود وأنّه يجازي الّذين يطلبونه" (عب 11: 6). والإيمان، في العمق، هو موضوع كيان، موضوع قلب. الكيان، أو القلب، هو عضو الإيمان بالله، ومن ثمّ بما فيه يُعرَف الله، وفيه يقيم الله، نعمةً أو نورًا، إذا ما آمن الإنسان به. لذا قيل: "إن اعترفتَ بفمك بالرّبّ يسوع وآمنت بقلبك أنّ الله أقامه من الأموات خَلَصتَ. لأنّ القلب يُؤمَن به للبِرّ..." (رو 10: 9 – 10). والمؤمن يعرف أنّه إنْ عرف الرّبَّ الإله، أي إن أحبّه، فإنّ الخليقة تصير خادمة له. كذلك يعرف المؤمن، دون سائر غير المؤمنين، أنّ الظّالمين، أي غير المؤمنين، غير المقيمين في الحقّ، يُفسِدون أنفسهم، بعدم إيمانهم، وتُلعَن الأرض بسببهم وترتدّ الخليقة عليهم تأديبًا. لذا قيل للشّعب العبريّ، فيما كان على أُهبة الدّخول إلى أرض الميعاد: "إذا سمعتم لوصاياي... لتحبّوا الرّبّ إلهكم وتعبدوه من كلّ قلوبكم... أُعطي مَطَرَ أرضكم في حينه، المبكّر والمتأخّر، فتجمع حنطتك وخمرك وزيتك... فتأكل أنت وتشبع". أمّا للزائغين الضّالين فقيل: "احترزوا من أن تنغوي قلوبكم فتزيغوا... فيحمى غضب الرّبّ عليكم ويُغلِق السّماء فلا يكون مطر ولا تعطي الأرض غلّتها. فتبيدون سريعًا عن الأرض الجيِّدة الّتي يعطيكم الرّبّ" (تث 11: 13 – 17).

في سفر الحكمة الكلام أوضح وأكثر صراحة. الخليقة هي في خدمة الخالق، وقد جعلها قضيبًا يؤدِّب على خطايا الظّالمين، كما جعلها تلطف بالمؤمنين، وتُحسن إلى المتوكّلين على الله. من هنا القول المعبِّر: "إنّ الخليقة الّتي في خدمتك، أنت صانعَها، تتوتّر لمعاقبة الظّالمين، وترتخي للإحسان إلى المتوكّلين عليك" (حك 16: 24).

هذه الحقيقة، لدى المؤمنين العارفين بالله وعمل الله وعلاقة الله بالخلق، ليست مجالاً للفحص والتّحليل والتّشريح. والسّبب أنّها مسألة بديهة. والبديهة لا تُحلَّل لأنّها تحصيل حاصل في مستواها ومنها المنطلَق. إذا ما كان الفيلسوف ديكارت، بعدما طرح مقولة الشّكّ في كلّ شيء، قد بلغ، في نظامه الفلسفيّ، أوّل اليقين، بعدما جعل بديهةً المُعطى: "أنا أُفكِّر إذًا أنا موجود"، متخطّيًا الشّكّ ومقدِّمًا الفكر أساسًا للوجود واليقين؛ وإذا ما كان الفيلسوف سبينوزا قد صاغ بديهته بالكلمات التّالية: "أنا واع إذًا أنا موجود"، فلا ما يمنع البتّة أن يقول المؤمن بالله كبديهة: "أنا أؤمن إذًا أنا موجود" حاسبًا أنّه واع لأنّه أخذ الوعي من الرّوحِ الّذي من الله ليعرف الأشياء الموهوبة له من الله (1 كو 2: 12)، وأنّه يعرف يقينًا لأنّ له فكرَ المسيح (1 كو 2: 16). إذًا المؤمن بيسوع يعرف الحقّ من الضّلال لا لأنّه يعرف مكوّنات وآلية الحقّ والضّلال بل لأنّه في روح الله مقيمٌ وله فكر المسيح!

نحن نعرف، في المسيح، أنّ كلّ ما في الخليقة هو في يدِ وضمنَ التّدبير والضّبط الكامل للقائل: "أليس عصفوران يُباعان بفلس وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم... وأنتم حتّى شعور رؤوسكم جميعها محصاة" (مت 10: 29 – 30). إذًا ليست الخليقة قائمة في ذاتها، ولا هي مستقلّة عن باريها، ولا هي مغلق عليها ضمن ناموس حتميّ غاشم. الخليقة، في انتظامها، هي أوّلاً وأخيرًا، في خدمة الخالق، جملة وتفصيلاً، وقد جعلها خاضعة وفي خدمة القدّيسين، المؤمنين الأمينين ليسوع، بطريقةٍ وكيفيّةٍ هو وحده عارفٌ بها، ومَن يمنّ هو بها عليه. لذا الخليقة محفوظةٌ بأحبّة يسوع القدّيسين المصلِّين، أبدًا، من أجل سلام كلّ العالم، لا بحكمة أبناء هذا الدّهر. وإن كانت القلّة المؤمنة، القلّةُ أحيانًا، من القدّيسين، هي الّتي تحفظ الخليقة وتُنميها بالصّلاة والحبّ والرّعاية والدّموع، فالكثرة غيرُ المؤمنة، الكثرةُ أحيانًا، هي الّتي تجعل الخليقة ملهى لأهوائها وتثير الخليقةَ عليها لخطاياها، وتتسبّب بكلّ خلخلة في البيئة وكارثةٍ وحربٍ بين النّاس!

كثيرون يظنّون، اليوم، أنّ المشكلات الّتي يعانيها البشر، وتعانيها البيئة، بحاجة، حصرًا، إلى مزيد من إعمال العقل وابتداع تقنيّات جديدة ضمن نظم سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وتربويّة جديدة مدروسة. كلّ هذا وهْم وجهل! المشكلة مشكلة قلوب عامرة بالخطيئة وعبادة الذّات ونفوس متفجِّرة بالأهواء! قيمة المساعي العقليّة والعلميّة، في الأطر الإنسانويّة الرّاهنة المستغنية عن الله وروح الله، كقيمة الماء تجمعها في آنية مثقوبة! لذا ليس عن عبث قيل عن أمثال هؤلاء ذات مرّة: "تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة لينقروا لأنفسهم آبارًا آبارًا مشقّقة لا تضبط ماء" (إر 2: 13).

أكثر فأكثر يمسي القدّيسون، اليوم، مستهدَفين، جماعةً متخلِّفة، مرذولة، مضطهَدة، جاهلة في نظر عالَمٍ يظنّ نفسه حكيمًا، ذكيًّا، عالِمًا، محدَثًا، متطوِّرًا، فيما يبقى القدّيسون ملحَ الأرض ونورَ العالم، والعالمُ محفوظ بهم، حتّى الّذين يضطهدونهم، وهم، أي هؤلاء الأمناء ليسوع، يعلمون أنّ مسيحهم جهّل حكمة هذا العالم وجعلها سِقطًا، لذلك يقرأون ما يجري في العالم لا في ضوء حكمة هذا الدّهر، بل في نور حكمة الله. يَضربونهم ولا يضربون أحدًا، يضطهدونهم ولا يضطهدون أحدًا. قائمون في الصّلاة، بتواتر، من أجل العالم بناء لوصيّة معلّمهم أن: "أحبّوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسِنوا إلى مبغضيكم. صلّوا لأجل الّذين يسيئون إليكم ويطردونكم. لكي تكونوا أبناء أبيكم الّذي في السّماء..." (مت 5: 44 – 45).

لا شكّ أنّه كلّما اشتدّت الهجمة على خراف المسيح – وهي قائمة، اليوم، بقوّة وخباثة وشراسة، لخنقهم وإفسادهم ما أمكن، من الخارج ومن الدّاخل، من اليمين ومن اليسار، معنويًّا وجسديًّا، بالتّرهيب وبالتّرغيب – أقول كلّما اشتدّت الهجمة على خراف المسيح، كلّما ازداد البلبال في العالم وتفاقمت الأزمات وعَظُم التّفلّت واشتدّت أخطار الحروب واهتاجت الطّبيعة بالأكثر وضعُفَ تماسُك عناصر الخليقة، لأنّ العالم قائم بالبَرَكة، والرّبّ الإله أعطى البَرَكة بإبراهيم، أبي المؤمنين، لمّا قال له: "... وأُباركك... وتكون برَكة، وأُبارِك مبارِكيك، ولاعنُك يكون ملعونًا، وتتبارك فيك جميعُ قبائل الأرض" (تك 12: 3). عالَمٌ بلا برَكة ينهار ويتفكّك! ضرْبُ حملان الله ضرْبٌ للمقوِّم الأساس للخليقة لأنّه يطيح البرَكة! شئنا أم أبينا، القدّيسون هم المقامون ملحًا للأرض ونورًا للعالم، واسم يسوع فيهم، إذًا البرَكة! "مَن يمسّكم يمسّ حدقة عينه" (زك 2: 8)! هنا يستبين جهلُ وغباءُ حكماءِ هذا الدّهر! لو كانوا يفقهون ويحبّون الحقّ لدلّهم حسّهم على أهمّيّة حفظ خراف المسيح، قدّيسيه، فيما بينهم لكي لا يَفسدوا! لكنّهم أحبّوا الموت، غرورًا، واستطيبوا الفساد باسم الحرّيّة الزائفة! والنّهاية؟! عالَم، بلا برَكة، يُغشَى فيه على النّاس من خوف وانتظار ما لا بدّ أن يأتي على المسكونة، اليوم أو غدًا، من علامات اللّعنة في الشّمس والقمر والنّجوم، وعلى الأرض كَرْبُ أممٍ بِحَيرَة (لو 21: 26، 25)؛ فيما يبلُغ وعد الخلاص، لخراف المسيح، حدَّه والرّجاءُ بالله أقصاه! هذه كانت كلمة السّيّد الّتي لا بدّ أن تأتي ساعتُها: "متى ابتدأتْ هذه تكون فانتصبوا وارفعوا رؤوسَكم لأنّ نجاتكم تقترب... ملكوت الله قريب... اسهروا... وتضرّعوا في كلّ حين لكي تُحسَبوا أهلاً للنّجاة من جميع هذا المزمِع أن يكون وتقفوا قدّام ابن الإنسان... السّماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول" (لو 21: 28، 31، 36، 33)!

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما








التوقيع
بينما يتناقش علماء اللاهوت في امور الدين يتسلل الكثير من البسطاء الي الملكوت
bandalaymon غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ترتيلة سلوان الآثوسي Salwa التراتيل والأناشيد الكنسية 14 07-07-2010 01:22 PM
"لا تَدينوا لكي لا تُدانوا" عظة الأرشمندريت توما (بيطار) Abdallah Saad النشرات الكنسية والعظات والدوريات 1 07-06-2010 08:44 AM
باقة من أقوال القدّيس سلوان الآثوسي سليمان القديسون وآباء الكنيسة 11 16-11-2009 08:17 AM
البركة واللعنة ..للارشمندريت توما بيطار ربا المنتدى الديني العام 2 04-08-2008 04:35 PM
من روائع ما كتب القديس سلوان الآثوسي Theodota النشرات الكنسية والعظات والدوريات 3 24-01-2008 10:28 PM


الساعة الآن: 10:02 AM


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
إدارة الشبكة غير مسؤولة عن محتويات الموضوعات المنقولة من مواقع أخرى و التي يشارك بها الأعضاء
Protected by CBACK.de CrackerTracker